قد يسأل الآباء أبناءهم يومياً: «ماذا فعلت اليوم؟»، أو «كيف كان يومك في المدرسة؟»، لكن الإجابات غالباً ما تأتي مقتضبة: «لا شيء» أو «جيد». ورغم أن هذه الأسئلة تنبع من رغبة حقيقية في الاطمئنان على الأبناء ومعرفة ما يجري في حياتهم، فإنها قد لا تكون أفضل الوسيلة لفهم مشاعرهم أو تشجيعهم على الحديث بصراحة.
فبعد يوم طويل، قد يكون آخر ما يرغب فيه الطفل هو بذل جهد إضافي للتفكير في إجابة. وربما يخشى أيضاً أن يؤدي اعترافه بأنه ليس بخير إلى إثارة موجة من القلق لدى والديه. ولهذا، لا يحب كثير من الأطفال هذه الأسئلة، أو يكتفون بالقول إنهم «بخير»، حتى عندما لا يكونون كذلك بالفعل.
وتقول فانيسا فان إدواردز، الباحثة في السلوك التي أمضت أكثر من عقد في دراسة التواصل الإنساني والعلاقات بين البشر، إنها وجدت أن الأسئلة التي تمنح الآباء أوضح صورة عن الحالة العاطفية لأطفالهم هي تلك التي تبدو ظاهرياً كأنها تتناول موضوعاً مختلفاً تماماً، بينما تكشف إجاباتها الكثير عما يدور في أعماقهم.
ولا تتطلب هذه الأسئلة إجابة واحدة «صحيحة» أو «مثالية» يشعر الطفل بأنه مضطر إلى الدفاع عنها، بل ينبغي أن تبدو أشبه بلعبة بسيطة لا تثير القلق. ويمكن الاستعانة بها لبدء أحاديث خفيفة تمهّد تدريجياً لمناقشة موضوعات أكثر عمقاً.
وبالطبع، إذا كانت لديك مخاوف جدية بشأن سلامة طفلك أو صحته، فمن الضروري استشارة طبيبه المختص.
وفيما يلي خمسة أسئلة قد تساعدك على فهم مشاعر طفلك بصورة أفضل، والحصول على الإجابات التي تبحث عنها، وبناء علاقة أكثر قوة معه.
يُعدّ هذا السؤال مدخلاً مناسباً للحوار مع الأطفال الذين يتجنبون عادةً الإجابة عن الأسئلة المباشرة.
فمعظم الملاحظات والتقييمات التي يتلقاها الأطفال تأتي من البالغين، بينما يمنحهم هذا السؤال فرصة مختلفة للإشادة بأنفسهم، وتعزيز شعورهم بالكفاءة والإيجابية والفخر بما يستطيعون فعله.
وإذا ذكر طفلك مهارة معينة، فشجّعه على الحديث عنها. ويمكنك متابعة الحوار بأسئلة مثل: «كيف اكتشفت أنك تجيد هذا الأمر؟»، أو «هل يمكنك أن تعلّمني كيف تفعله؟».
أما إذا أجاب قائلاً: «لا شيء، على ما أعتقد»، فقد يشير ذلك إلى أنه لا يقدّر قدراته بالقدر الكافي، أو لا يشعر بالأمان الذي يسمح له بالتحدث عن إنجازاته أمامك.
وإذا لم يتمكن من التفكير في مهارة محددة، فيمكنك مساعدته بذكر إحدى المهارات التي لاحظت أنه يجيدها.
يساعد الحديث عن شخصية خيالية الطفل على التعبير عن جوانب من شخصيته بطريقة غير مباشرة.
ومن المهم أن تسأله عن سبب اختياره تلك الشخصية، لأن تفسيره لهذا الاختيار أكثر أهمية من التفسير الذي قد تتوصل إليه أنت.
فالكلمات التي يستخدمها لوصف الشخصية تحمل دلالات مهمة. وإذا قال إنها «مرحة» أو «شجاعة» أو «مخلصة»، فقد يكشف ذلك عن الصفات التي يعتز بها في نفسه.
أما إذا وصفها بعبارات، مثل: «لا أحد يلاحظ وجوده»، أو «دائماً ما يتم استبعادها»، فقد يعكس ذلك مشاعره تجاه الطريقة التي يعامله بها الآخرون في الوقت الراهن.
وإذا اختار شخصية رئيسية، فمن المرجح أنه يرى نفسه محور قصته الخاصة. أما اختياره شخصية ثانوية أو مساعدة، فقد يشير إلى شعوره بالحاجة إلى التقليل من أهمية دوره.
وإذا اختار شخصية شريرة، فلا داعي للقلق؛ فكثير من الشخصيات الشريرة في القصص تُقدَّم بوصفها شخصيات أسيء فهمها، وربما يحاول طفلك التعبير عن شعوره بأنه يمر بتجربة مشابهة.
يمثل هذا السؤال بديلاً فعالاً عن سؤال «هل أنت بخير؟»، الذي يستطيع الطفل تجنُّب الإجابة عنه بصراحة بسهولة.
وغالباً ما يتفاعل الأطفال معه بحماس، لأنه يبدو أقرب إلى لعبة مسلية منه إلى استجواب مباشر عن حالتهم المزاجية، رغم أنه يتيح في جوهره وسيلة غير مباشرة للاطمئنان على مشاعرهم.
فإذا اختار طفلك عنواناً طريفاً، فقد يكون ذلك مؤشراً على أن مزاجه مرح وخفيف. أما إذا كان العنوان كئيباً أو باهتاً، فمن المفيد الانتباه إلى ذلك، ثم العودة إليه بسؤال في وقت لاحق من اليوم، مثل: «لماذا اخترت عنوان (أطول يوم ثلاثاء على الإطلاق) لفيلمك؟».
ومن خلال ما تكشفه إجابته، يمكنك فتح باب الحوار معه، ومساعدته على التعامل مع مشكلاته والشعور بتحسن.
إذا كانت إجابة طفلك «لا شيء» أو «النوم»، فقد يشير ذلك إلى افتقاره إلى الإلهام أو استنزاف طاقته تماماً.
وفي هذه الحالة، لا بأس بتجاوز عبارات التشجيع المعتادة، وسؤاله بدلاً من ذلك عما يستهلك طاقته خلال الفترة الأخيرة. ففي بعض الأحيان، لا تعني رغبته في النوم سوى أنه مرّ بأسبوع طويل وشاق للغاية.
أما إذا اختار نشاطاً إبداعياً، مثل الرسم، أو نشاطاً اجتماعياً، مثل قضاء الوقت مع الأصدقاء، فقد يساعدك ذلك على معرفة الأنشطة التي تمنحه الطاقة بدلاً من استنزافها.
وعندما تتعرف إلى ما يمدّ طفلك بالطاقة، حاول إيجاد طرق لإدخال هذه الأنشطة في روتينه اليومي؛ كأن تخصص له 20 دقيقة للعب بعد الانتهاء من الواجبات المدرسية، أو ترتب أمسية يوم السبت لممارسة الأعمال اليدوية مع أحد أصدقائه.
ومن الأفضل أن تترك له حرية اختيار التوقيت المناسب، لأن ذلك قد يشجعه على الاستمرار في ممارسة هذه الأنشطة.
يخوض الأطفال، ولا سيما في سن المدرسة، كثيراً من التفاعلات الاجتماعية التي قد لا يكون الآباء على دراية بها.
ويمكن أن تكشف الإجابة عن هذين السؤالين الكثير عن علاقات الطفل بالآخرين؛ إذ تساعد على معرفة المواقف التي يشعر فيها بالحاجة إلى اتخاذ موقف دفاعي، وتلك التي يشعر فيها بالأمان، حتى وإن لم يكن مدركاً لهذه المشاعر تماماً.
وقد يتفاجأ الطفل نفسه بإجابته عن السؤالين.
ومن المهم أن تحاول قدر الإمكان تجنب المبالغة في رد فعلك تجاه ما يقوله. فإذا أظهرت انزعاجاً أو استياءً عندما يذكر شخصاً يسبب له التوتر، فقد يتعلم أن الصراحة معك لها «ثمن» أو قد تترتب عليها عواقب غير مرغوبة.
لذلك، امنحه المساحة الكافية لشرح الأسباب التي تجعله يشعر بهذه الطريقة.
وتُعدّ القدرة على تحديد الأشخاص والبيئات التي تستنزف الطاقة مهارة مهمة للأطفال، خصوصاً أنهم لا يملكون في كثير من الأحيان حرية اختيار الأشخاص الذين يتعاملون معهم، سواء داخل الفصل الدراسي أو حتى في محيط العائلة.