تخطّي إلى المحتوى
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
عاجل
نيس يتفوق على بريست بهدفين مقابل هدف في الدوري الفرنسي أبل تحتفل بمرور 25 عاماً على إطلاق جهاز آيبود الأول صن داونز يودع دوري أبطال أفريقيا مبكراً أمام ويليتي الأنغولي تعطل ناقلتي نفط بعد اصطدامهما بلغم بحري في مضيق هرمز لقجع يكشف تفاصيل مشروع قانون المالية 2027: 62 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية والقطاعات الاجتماعية إيطاليا: توقيف أم أوكرانية بتهمة قتل طفلتها طعنا بعد نزاع قضائي مع والدها الصندوق الوطني للتقاعد يطلق مشروع "تقاعدي ALL IN ONE" لتسهيل الخدمات الرقمية حسام موافي: الطب رسالة إنسانية لا يجوز اختزالها في مصدر رزق رئيس هيئة المستشفيات التعليمية يتفقد مستشفى بنها التعليمي بالقليوبية أصالة نصري تستعد لإطلاق أغنيات باللهجات السودانية والليبية والجزائرية نيس يتفوق على بريست بهدفين مقابل هدف في الدوري الفرنسي أبل تحتفل بمرور 25 عاماً على إطلاق جهاز آيبود الأول صن داونز يودع دوري أبطال أفريقيا مبكراً أمام ويليتي الأنغولي تعطل ناقلتي نفط بعد اصطدامهما بلغم بحري في مضيق هرمز لقجع يكشف تفاصيل مشروع قانون المالية 2027: 62 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية والقطاعات الاجتماعية إيطاليا: توقيف أم أوكرانية بتهمة قتل طفلتها طعنا بعد نزاع قضائي مع والدها الصندوق الوطني للتقاعد يطلق مشروع "تقاعدي ALL IN ONE" لتسهيل الخدمات الرقمية حسام موافي: الطب رسالة إنسانية لا يجوز اختزالها في مصدر رزق رئيس هيئة المستشفيات التعليمية يتفقد مستشفى بنها التعليمي بالقليوبية أصالة نصري تستعد لإطلاق أغنيات باللهجات السودانية والليبية والجزائرية

صمت المبدع.. بين الانتباه.. والفكر

23 أكتوبر 2026 5 د للقراءة 11
صمت المبدع.. بين الانتباه.. والفكر

لماذا يكره العباقرة الأصوات العالية؟يبدو السؤال متعاليًا بعض الشىء. ما علاقة العبقرية بضجيج الشارع؟لكن السؤال يصبح مثيرًا حين نعرف أن الفيلسوف الألمانى آرثر شوبنهاور لم يكن يرى الضجيج مجرد إزعاج عابر، بل اعتداءً حقيقيًا على قدرة العقل على التفكير. وقد بلغ به أن جعل الحساسية تجاه الأصوات علامة - فى تصوره - على قوة الملكات العقلية.ليس المقصود أن كل من يضيق بالضوضاء عبقرى؛ هذه قفزة لا يساندها العلم، لكن قيمة فكرة شوبنهاور ليست فى دقتها العلمية، بل فى السؤال الإنسانى الذى تفتحه: ماذا يحدث للعقل حين يُحاصر بالضجيج؟نحن لا نفكر فى فراغ، نعيش وسط سيل لا ينقطع من الإشعارات والأخبار والموسيقى والرسائل، عالم يتنافس كل لحظة على انتباهنا.وهنا تبدو فكرة شوبنهاور شديدة المعاصرة. كان يتحدث عن ضجيج العربات وطرق المطارق فى وقت لم يعرف الهاتف المحمول ولا منصات التواصل... كان يشعر أن الصوت المرتفع قادر على تمزيق خيط التفكير.فكيف كان سيصف عالمنا اليوم؟هناك بون شاسع بين أن يسمع الإنسان صوتًا، وبين أن يسمح للصوت بأن يحتل وعيه... الدماغ يستطيع أن يتكيف مع خلفية صوتية ثابتة، لكنه يعجز أمام الأصوات المفاجئة والمتقطعة وغير المتوقعة.الضجيج بالنسبة للعقل المتأمل ليس ذبذبات تصل الأذن، بل تدخل فى عملية لها إيقاعها الخاص، والفكرة قبل أن تولد تمر بمراحل؛ تلتقط شيئًا، وتستدعى شيئًا، وتقارن، وعندما يأتى صوت مفاجئ فى المنتصف، يضطر العقل للعودة خطوة إلى الوراء.وهذا ما يفسر لماذا يبدو المبدعون أكثر حرصًا على العزلة.إن الصمت عند الفنان ليس غيابًا، بل هو مساحة عمل؛ فالكاتب مثلًا يرى الناس ثم يعود لوحدته ليكتب عنهم، والموسيقى يسمع العالم ثم يبحث عن نغمة تتجاوزه، والرسام يرى الأشياء لكنه يحتاج لحظة صمت ليرى ما وراءها.إذن، الإبداع لا يولد من الفراغ، لكنه يحتاج إلى الفراغ ليعيد ترتيب ما امتلأ به.لهذا كان بيتهوفن يهرب إلى غابات فيينا، وكان الرسام مارك روثكو يطلب من زواره الصمت التام فى مرسمه... إنهم لا يهربون من الناس، بل يحمون مساحة داخلية هشّة تتشكل فيها الفكرة... الفكرة لا تحب الاستعجال، تشبه البذرة، تحتاج إلى أرض وماء وشىء من الظلام.ونستطيع أن نقول إن أجمل ما فى الصمت أنه لا يفرض نفسه على العقل، بل يمنحه فرصة لأن يتكلم.فى الصخب نسمع الآخرين أكثر مما نسمع أنفسنا، وكم مرة خرجنا من مكان صاخب ونحن مرهقون دون سبب واضح؟ العلم اليوم يسمى هذا بـ«بقايا الانتباه» Attention Residue، فكل مقاطعة تترك أثرًا يستهلك جزءًا من طاقتنا الذهنية، حتى بعد انتهائها.الضوضاء لا تستهلك الأذن وحدها، بل تستنزف الانتباه، والانتباه هو رأسمال العقل.لقد أصبح من السهل أن نعرف كل شىء قليلًا، وأن نركز فى لا شىء طويلًا، ننتقل من خبر إلى آخر ومن مقطع إلى مقطع حتى يعتاد العقل على القفز المستمر... وهنا لا يعود الضجيج صوتًا خارجيًا فقط، بل يتحول إلى «طريقة حياة».الضوضاء المعاصرة لم تعد صوتًا مرتفعًا؛ قد تكون عشرات الرسائل فى الدقيقة، والأخبار المتلاحقة، والجدل المستمر، والرغبة فى معرفة رأى الجميع فى كل شىء.نعيش فى عصر أصبح الصمت فيه غريبًا. إذا لم يتحدث الإنسان سُئل لماذا هو صامت، كأن الإنسان مطالب بأن يكون حاضرًا فى كل مكان ويمتلك رأيًا فى كل قضية.لكن الفكرة العميقة تحتاج وقتًا لتنضج، والموقف الناضج يحتاج مسافة؛ ولهذا نجحنا أمام السؤال المنطقى: هل يستطيع الإنسان أن يفكر بعمق فى عالم لا يمنحه فرصة للصمت؟كان شوبنهاور شديد الحساسية، وهذه حقيقة تدعونا للحذر من تعميم تجربته، قد يكون الإنسان حساسًا للصوت لمزاجه أو توتره أو بيئته، ولا يعنى ذلك أنه أذكى.قد تجد إنسانًا شديد الذكاء يعمل وسط مقهى مزدحم، وآخر يحتاج غرفة مغلقة لا يسمع فيها حتى حركة الساعة، ليست هناك وصفة واحدة للعقل،لكن هناك حقيقة متواضعة: التركيز يحتاج إلى بيئة تساعده، وهذه البيئة هى ما يجب أن نربى أبناءنا عليها.كيف نطلب من طفل أن يقرأ كتابًا وحوله شاشة مضيئة وتطبيق ومقاطع قصيرة؟ الطفل الذى يتعلم أن يجلس دقائق فى هدوء، وأن يقرأ دون مقاطعة، وألا ينتقل كل لحظة إلى مثير جديد، لا يتعلم الصمت فقط، بل يتعلم إدارة عقله... وهذه أهم مهارات المستقبل.والضجيج ليس دائمًا عدوًا: ضحكة طفل وصوت أم وهتاف جمهور هى جزء من النسيج الإنسانى. المشكلة حين يتحول رفع الصوت إلى حق مكتسب على حساب راحة الآخرين.المجتمع المتحضر ليس مجتمعًا صامتًا، بل مجتمع يعرف متى يرفع صوته ومتى يخفضه؛ لذلك يمكن أن نقرأ شوبنهاور بعيدًا عن ادعائه بأن الحساسية للضجيج دليل على الذكاء.فالقدرة على صناعة مساحة من الهدوء داخل عالم صاخب أصبحت علامة على شىء أهم: القدرة على حماية الانتباه والانتباه هو البوابة الأولى للفهم.ومن لا يجد دقيقة يصمت فيها مع نفسه قد يصبح أسيرًا لما يقوله الآخرون، ربما لهذا أحب كبار المبدعين العزلة؛ فلم تكن كراهية للناس، بل حماية للفكرة. قد يكون الإنسان اجتماعيًا جدًا لكنه يحتاج ساعات لا يرى فيها أحدًا، لا لأنه يرفض المجتمع، بل لأنه يرفض أن يفقد استقلاله الداخلى.وفى عالم صاخب يزداد ضجيجًا كل يوم، قد لا تكون المشكلة أننا لا نسمع بما يكفى، بل إننا نسمع أكثر مما ينبغى، ونفكر أقل مما ينبغى.وربما تكون إحدى علامات نضج الإنسان أن يعرف متى يتكلم، ومتى ينصت، ومتى ينسحب قليلًا من الضجيج... بغية ماذا؟ بغية أن يكتشف أن فى داخله صوتًا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر صدقًا.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن