ترتبط مكالمات الهاتف، خاصة الطويلة منها، بمجموعة من الأفعال اللاإرادية التي يقوم بها الإنسان دون قصد، مثل ترتيب الأشياء من حوله، أو المشي في أرجاء المنزل، أو الرسم على الورق. لكن يبدو أن الأمر ليس عفويا تماما؛ إذ يقدم العلم تفسيرات للأسباب التي تدفع الناس إلى القيام بهذه الحركات أثناء محادثاتهم الهاتفية.
ما إن تبدأ المكالمة الهاتفية حتى تجد نفسك تتحرك لا شعوريا في أرجاء الغرفة، وربما حول البناية. ولا تعكس هذه الظاهرة بالضرورة التوتر أو العصبية كما يعتقد كثيرون، بل قد ترتبط بأسباب أعمق تتعلق بطريقة عمل الدماغ.
فبحسب دراسة لعالمة النفس سوزان غولدين ميدو وزملائها، تسهم الحركة في تخفيف العبء الذهني عندما تتحدث في موضوع معقد، أو تشرح تفاصيله، أو تحاول تذكر معلومات. ففي هذه الحالات، يتعرض العقل لضغط كبير، وقد تساعد الحركة الجسدية على تخفيفه، بما يتيح مساحة أكبر للتركيز والتفكير.
كما قد تساعد الحركة البسيطة أثناء التفكير أو الاستماع على زيادة التركيز وتدفق الدم إلى الدماغ، وقد تتيح للجسم التعبير بصورة عفوية عما يدور في الذهن، بما يعوّض جزئيا غياب التواصل البصري.
وقد يكون للحركة والمشي أثناء المكالمات الهاتفية أثر سلبي عندما يتطلب الحديث تركيزا ذهنيا مرتفعا؛ إذ قد يؤدي الجمع بين مهمتين، كالمشي والتفكير، إلى التشتت وصعوبة تنظيم الأفكار.
يُفاجأ بعض الأشخاص بوجود رسوم وخطوط على الأوراق أمامهم، رسموها دون قصد خلال مكالمات هاتفية مهمة. وقد أثار هذا السلوك اهتمام الباحثة جاكي أندرادي، فأجرت تجربة استمع خلالها المشاركون إلى تسجيل صوتي لـ"رسالة هاتفية مملة" تتضمن أسماء وأماكن، وطُلب من بعضهم تظليل أشكال على الورق أثناء الاستماع.
وجاءت النتيجة لافتة؛ إذ تذكر المشاركون الذين ظلّلوا الأشكال معلومات أكثر بنسبة 29% مقارنة بمن استمعوا دون تظليل. وتشير هذه النتيجة إلى أن هذا النشاط البسيط قد يساعد على تتبع المعلومات وتذكرها، بدلا من تشتيت الانتباه كما قد يُتوقع.
ومن التفسيرات المحتملة لذلك أن "الشخبطة" تساعد الدماغ على الحفاظ على مستوى مناسب من اليقظة والحد من الشرود الذهني، دون استهلاك قدر كبير من الطاقة العقلية اللازمة للمهمة الأساسية.
يفسر باحثون سلوك لمس الرقبة، والوجه أو الشعر خلال المحادثات الهاتفية، بأنه رد فعل عند مواجهة ضغط أو توتر أو استماع لمعلومات تتطلب تقييما، ويشير جو نافارو في كتابه "ما يقوله كل جسد"، إلى أن كثيرا من الأشخاص حين يتلقون أخبارا مقلقة أو ضغوطا، تَظهر هذه السلوكيات منهم بوصفها استجابةً تلقائية لتهدئة الجهاز العصبي الودي، ليس خلال الحديث في الهاتف فقط ولكن في مواقف الحياة المختلفة أيضا.
يُفاجأ كثيرون بعد انتهاء مكالمات هاتفية طويلة بأنهم مسحوا الغبار عن مكاتبهم، أو أعادوا ترتيب أغراضهم دون وعي، وربما أمسكوا بلعبة "سبينر" وظلوا يحركونها دون توقف.
وتفسر أستاذة علم النفس في جامعة هيرتفوردشاير البريطانية كارين باين، هذه التصرفات بأنها محاولات لا إرادية للتنفيس عن التوتر؛ إذ قد تساعد الحركات البسيطة والمتكررة لليدين على إدارة العبء المعرفي، وتقليل التوتر العصبي الناتج عن الاعتماد على الصوت وحده في التواصل.
ينهمك بعض الأشخاص في المكالمات الهاتفية إلى حد تحريك أيديهم بحماس، كأن الطرف الآخر يراهم، رغم وجودهم وحدهم في الغرفة. ولا يعكس هذا السلوك الحماس وحده، بل قد يساعد الدماغ على تنظيم الأفكار وتسهيل الكلام.
فبحسب دراسة نشرت عام 2007 في مجلة "الدماغ واللغة"، تؤدي إيماءات اليد المصاحبة للكلام دورا في التواصل والتعبير عن المعنى. وقد يستمر استخدامها حتى عندما لا يستطيع الطرف الآخر رؤيتها، لأنها تساعد المتحدث نفسه، إلى جانب دورها في مخاطبة الآخرين.
ويمكن تلخيص دور هذه الإيماءات في وظيفتين أساسيتين:
تُعد الحركة والإيماءات والرسم العفوي أثناء الحديث سلوكيات شائعة، وقد تساعد على تنظيم الانتباه أو التنفيس عن التوتر. ولا تعني هذه التصرفات في حد ذاتها وجود اضطراب أو مشكلة تستدعي القلق، كما تختلف من شخص إلى آخر تبعا لعاداته وطبيعة الموقف ومتطلبات الحديث.
فقد يجد بعض الأشخاص أن المشي أو تحريك اليدين أثناء المكالمة يساعدهم على التركيز وترتيب أفكارهم، بينما يفضّل آخرون الرسم على الورق أو ترتيب الأشياء من حولهم. وقد تؤدي هذه الأنشطة البسيطة دورا في تخفيف التوتر أو الحفاظ على اليقظة أثناء الاستماع.
لكن لا يمكن الاستدلال من هذه السلوكيات وحدها على سمات ثابتة في الشخصية؛ فالمشي أثناء الحديث لا يعني بالضرورة أن صاحبه يتمتع بطاقة عالية، كما أن الرسم أو ترتيب الأغراض لا يكفي للحكم على قدرته على التحليل العميق أو التنظيم الذاتي. والأدق فهمها بوصفها طرقا قد يستخدمها الشخص للتعامل مع متطلبات المكالمة، لا اختبارا يكشف شخصيته.