تُعد قصة الرضيعة فاي، واسمها الكامل ستيفاني فاي بوكلير، واحدة من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الطب؛ إذ جاءت ضمن محاولات ما يُعرف بزراعة الأعضاء بين الأنواع، أي نقل عضو من حيوان إلى إنسان.
وُلدت ستيفاني في 14 أكتوبر 1984 في مدينة بارستو بولاية كاليفورنيا، قبل الموعد المتوقع بثلاثة أسابيع. بعد فترة وجيزة من ولادتها، شُخّصت إصابتها بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج، وهو عيب خلقي قاتل يتمثل في عدم نمو الجانب الأيسر من القلب بشكل كاف. كان يُتوقع ألا تعيش الطفلة أكثر من أسبوعين من دون تدخل طبي.
لم يكن لدى والدي الرضيعة تأمين طبي، كما تعذر العثور على قلب بشري مناسب للزراعة في الإطار الزمني القصير المتاح. في ظل هذه الظروف، اقترح الأطباء في مركز لوما ليندا الطبي الجامعي إجراء جراحة تجريبية.
كان جراح القلب ليونارد بيلي (1942–2019)، وهو خبير في زراعة الأعضاء، قد أمضى سبع سنوات في إجراء بحوث حول إمكانية نقل القلوب بين الأنواع المختلفة. أجرى بيلي 160 تجربة على الحيوانات، لكن لم ينجُ أي منها لأكثر من ستة أشهر.
بعد مناقشات مستفيضة مع الوالدين وتوقيع نموذج الموافقة، أُجريت عملية الزراعة، واستُخدم قلب من أنثى قرد بابون صغيرة تدعى غوبرز. جرى الزرع في ذلك التاريخ في مركز لوما ليندا الطبي الجامعي.
من الناحية الجراحية، كانت العملية ناجحة، إذ تحسنت حالة الطفلة على مدار عدة أيام. لكن في اليوم الرابع عشر، بدأ جسم الطفلة يرفض العضو المزروع. كانت المشكلة الرئيسة عدم توافق فصائل الدم؛ إذ كانت فصيلة دم الطفلة (O)، بينما كانت فصيلة دم قرد البابون المتبرع (AB). وُصفت للفتاة أدوية مثبطة للمناعة، لكنها تسببت في بدء فشل كليتيها.
في 15 نوفمبر 1984، وكانت الطفلة تبلغ من العمر شهرًا ويومًا واحدًا، توفيت الرضيعة فاي نتيجة فشل في الكلى والقلب، ناجم عن رفض مناعي خلطي وعدم توافق في فصائل الدم.
أثارت قضية الرضيعة فاي جدلا واسعا في الولايات المتحدة حول الأخلاقيات الطبية وعمليات زراعة الأعضاء للأطفال. اتهم العديد من النقاد الطبيب بيلي بأنه قدّم فضوله العلمي الشخصي على حياة الطفلة، بينما وجه آخرون انتقاداتهم إلى الوالدين. في المقابل، وجهت جهات أخرى أصابع الاتهام نحو جهات مختلفة، إذ نظمت منظمات حقوق الحيوان، وعلى رأسها منظمة بيتا، احتجاجات ندّدت فيها بقتل قرد بابون سليم من أجل إجراء تجربة كانت فرص نجاحها ضئيلة للغاية.
من اللافت أن الأم، تيريزا ترافاجان، عقب وفاة صغيرتها، حثت الطبيب بيلي على مواصلة أبحاثه بهدف إنقاذ أرواح أخرى. بعد عام واحد فقط، أجرى بيلي أول عملية ناجحة لزراعة قلب من رضيع إلى رضيع آخر؛ وقد نجا الطفل وعاش لأكثر من 20 عاما.
كانت هذه العملية علامة فارقة، وإن كانت مأساوية، في تطور طب زراعة الأعضاء؛ لأنها سلطت الضوء على التحديات التقنية المرتبطة بزراعة الأعضاء من أنواع حيوانية أخرى، وأثارت تساؤلات ملحة حول أخلاقيات مثل هذه التجارب.
من البابون إلى الخنازير المعدلة وراثيًا
مع ذلك، أصبحت الإنجازات الحديثة في مجال زراعة قلوب الحيوانات للبشر، مثل عمليات زراعة قلوب الخنازير للبشر التي أُجريت بين عامي 2022 و2024، ممكنة بفضل التعديل الوراثي للحيوانات المانحة.
بين عامي 2022 و2024، أُجريت عمليتان جراحيتان بارزتان تم فيهما زرع قلوب خنازير معدلة وراثيا في بشر. أجرى الفريق الطبي نفسه كلتا العمليتين، وهم جراحون في المركز الطبي بجامعة ميريلاند الأمريكية بقيادة الجراح بارتلي غريفيث.
جرت عملية الزرع الأولى لمريض يدعى ديفيد بينيت، وكان يبلغ من العمر 57 عاما، وقد كان يعاني من مرحلة نهائية من اعتلال عضلة القلب. بقي قلب الخنزير ينبض في صدره ويمنحه الحياة حوالي 60 يوما.
أما القلب الثاني فزُرع في صدر لورانس فوسيت، وكان يبلغ من العمر 58 عاما. كان يعاني من فشل قلبي في مراحله النهائية، وعاش بقلب الخنزير حوالي ستة أسابيع.
أظهرت هاتان التجربتان أن قلب الخنزير المعدل وراثيا يمكن أن يعمل داخل جسم الإنسان. في الوقت نفسه، سلطت الحالتان الضوء على تحديات جوهرية، مثل خطر انتقال عدوى كامنة من المتبرع، وصعوبة السيطرة على الاستجابة المناعية على المدى الطويل، وتأثير الحالة الصحية العامة للمريض قبل الجراحة بشكل كبير على النتائج. الفريق الطبي الذي قام بالعمليتين يعكف حاليا على تحليل البيانات؛ لأخذ هذه العوامل في الاعتبار في الأبحاث المستقبلية، بهدف تعزيز فرص النجاح.
تظل قصة الرضيعة فاي محطة مأساوية ومهمة في تاريخ الطب؛ فقد كشفت عن حدود المعرفة العلمية في زمنها، وفتحت نقاشا مستمرا حول التوازن بين إنقاذ الحياة وضرورة الالتزام بالضوابط الأخلاقية في التجارب الطبية. مع تقدم التعديل الوراثي وأبحاث زراعة الأعضاء بين الأنواع، تعود الأسئلة التي أثارتها قصة فاي لتطرح نفسها من جديد، لكن هذه المرة في ضوء إمكانات علمية أوسع ومسؤوليات أخلاقية أكبر.