في ظلِّ ما تشهده منطقةُ الخليج العربي والشرق الأوسط من أحداثٍ جيوسياسيَّةٍ تزدادُ أهميَّةُ تمسُّكنا بهويَّتنا، واستحضارِ إرثنا بوصفه ركيزةً تمنحنا الثبات، وتفتحُ أمامنا آفاقاً لرؤيةِ المستقبل. في عددِ أكتوبر نحتفي باليومِ العالمي للتراثِ الثقافي غير المادي عبر ملفٍّ خاصٍّ، يجمعُ نخبةً من الشخصيَّات، ويُسلِّط الضوءَ على مفهومِ الهويَّة، منهم الفنَّانةُ البصريَّة منال الضويان التي نلتقيها في حوارٍ موسَّعٍ حول متحفِ "الذهب الأسود" في الرياض الذي يُوثِّق الأثرَ العميقَ للنفط في التجربةِ الإنسانيَّة من خلال 350 عملاً فنياً لمبدعين محليين وعالميين. تُشير الفنَّانةُ السعوديَّة إلى العلاقةِ بين النفطِ والذاكرة قائلةً: "يُمثِّل النفطُ جزءاً من البيئة التي نشأتُ فيها، ومن التحوُّلاتِ الاجتماعيَّةِ المتسارعة التي شهدتها. من خلال الفنِّ، يمكننا أن نتأمَّلَ ما أوجده النفط، وما غيَّره، وما أزاحه، إضافةً إلى الذكرياتِ التي صنعها". ومن استعادةِ الذاكرةِ إلى استشرافِ المستقبل، تظلُّ الهويَّةُ السعوديَّة بما تحمله من قيمِ الانتماءِ، والتكاتفِ، والعطاءِ حاضرةً بقوَّةً، لا سيما في أوقاتِ التحدِّيات، وهي المعاني التي جسَّدتها الفنَّانةُ السعوديَّة منى القويز في ثلاثةِ أعمالٍ رقميَّةٍ خاصَّةٍ لـ "سيدتي"، احتفت فيها بروحِ التضامن مستلهمة العطاء من الحملةِ الوطنيَّةِ السنويَّة للتبرُّعِ بالدم التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مبادرةٍ إنسانيَّةٍ تُعزِّز ثقافةَ البذل والمسؤوليَّة المجتمعيَّة. وننتقلُ من جمالِ الصورةِ إلى سحرِ الكلمة، إذ نُواكب إطلاقَ كتابِ "الرياض" للأميرة سرى بنت سعود بن سعد آل سعود في الدرعيَّة. وفي حديثٍ خاصٍّ لـ "سيدتي"، تُوضح الأميرة سرى، أن الكتابَ يُقدِّم مجموعةً من العناصرِ الثقافيَّة المرتبطةِ بالرياض بأسلوبٍ مبسَّطٍ، يجمعُ بين المتعةِ والمعرفة، ويُخاطب الكبارَ والصغار، كما يُثري تجربةَ الزوَّارِ الأجانب، ويُقرِّبهم من ثقافةِ المدينةِ وهويَّتها.
ومن قلب العاصمة السعودية إلى غرب المملكة، نتجه نحو روائع البحر الأحمر وتنوعه الطبيعي عبر تعاونٍ فنِّي حصري لنا مع أوزجه دونر (Özge Döner) حيث جمعت الفنَّانةُ المبدعةُ السرياليَّة التركيَّة بين خلفيَّتها العلميَّة في الرياضيَّاتِ والفيزياءِ الفلكيَّة، ورؤيتها الفنيَّة المتفرِّدة، لتُقدِّم قراءةً بصريَّةً استثنائيَّةً لعالمِ البحر الأحمر. تعمَّقت خلال رحلتها البحثيَّة في خصائصه الطبيعيَّة من الشِّعابِ المرجانيَّةِ القادرة على تحمُّلِ درجاتِ الحرارةِ المرتفعة إلى البحيراتِ الضحلةِ ذات المياه الفيروزيَّة. واستلهمت من هذا العالمِ أعمالاً آسرةً، استحضرت فيها لآلئ "الدانة" التي اعتاد الغوَّاصون على استخراجها من جزرِ فرسان في احتفاءٍ بجمالِ الطبيعة، وذاكرةِ المكان. أمَّا على غلافِ "سيدتي"، فنفتحُ نافذةً على غدٍ أكثر إشراقاً من خلال جلسةِ تصويرٍ خاصَّةٍ بمشاركةِ أعرقِ دور المجوهراتِ العالميَّة. تجدون فيها كيف تبرزُ الفنونُ الحِرفيَّة في تصميمِ المجموعاتِ الراقية التي تتألَّقُ بدورها بأحجارٍ نادرةٍ، وتفاصيلَ متقنةٍ، تتطلَّبُ صناعتها ساعاتٍ طويلةً من العملِ الدقيق قبل أن تتحوَّلَ إلى قطعٍ تجمعُ بين الإبداعِ والخلود. كذلك، نُواصل التزامنا بدعمِ المواهبِ السعوديَّةِ الشابَّة من خلال لقاءٍ مع المهندسةِ المعماريَّة أسيل العمودي، الفائزةِ بجائزةِ "الموهبة الواعدة" للتصميم التي يُقدِّمها معهدُ العالمِ العربي في باريس. شاركتنا أسيل امتنانها لوطنٍ أتاحَ لها فرصةَ التعليمِ في الخارج، لتعودَ، وتُوظِّف ما اكتسبته من معرفةٍ وخبرةٍ في رؤى تصميميَّةٍ تنسجمُ مع السياق المحلي. إنها تجربةٌ تعكسُ طموحَ جيلٍ جديدٍ، يُسهم في بناءِ مشهدٍ ثقافي ومعماري أصيلٍ منفتحٍ على حوارٍ عالمي أوسع. هكذا نرى الغد، امتداداً لذاكرةٍ نعتزُّ بها، وهويَّةً نتمسَّكُ بجذورها، وإبداعاً يتجدَّدُ عبر أجيالٍ تُؤمن بأن الاعتزازَ بالذات أساسُ لبناءِ جسورِ التواصلٍ مع العالم، وضرورةٌ لتعزيزِ آفاقِ الحضورِ والتأثير.