في بداية التسعينيات، حين كنت طالبًا على مقاعد الدراسة، اعتدت الذهاب إلى سوق السيب، ذلك المكان الذي ما زالت رائحته وأصواته ووجوه المارة فيه تسكن ذاكرتي.
بالقرب من شاطئ السيب، كان هناك منتدى أدبي متواضع، يجتمع فيه عدد من الأدباء والمثقفين، معظمهم من معلمي اللغة العربية القادمين من مصر والمغرب والسودان وغيرها من البلدان العربية. كانوا يجلسون ويتحاورون في الشعر والأدب والفلسفة، ويتبادلون الأفكار والقصائد، بينما كنت أقف أحيانًا على مقربة منهم، أراقب وجوههم، وأصغي إلى أحاديثهم، محاولًا أن أفهم ما الذي يجمع هؤلاء الرجال حول الكلمات. لم أكن أفهم كل ما يقولونه، لكن شيئًا في جلساتهم كان يشدني إليهم. كنت أرى في عيونهم شغفًا غريبًا، وفي أصواتهم عالمًا لم أكتشفه بعد. وربما لم أكن أدرك حينها أن تلك اللحظات الصغيرة ستترك في داخلي سؤالًا كبيرًا عن الفن والجمال والإنسان.
واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، أعود بذاكرتي إلى ذلك المنتدى القريب من البحر، وأتساءل: هل كنت أرى الأدب، أم كنت أرى ما يصنعه الأدب في أرواح أولئك الرجال؟ وهل كان الجمال في القصائد التي يتلونها، أم في المشاعر التي كانت توقظها في نفوسهم؟ هناك، ربما دون أن أدري، بدأت أفهم معنى العبارة التي قالها الرسام الفرنسي إدغار ديغا: "الفن ليس ما تراه، بل ما تجعل الآخرين يرونه".
فما الفن حقًا؟ أهو ريشة تعانق لوحة، أم إزميل يوقظ الحياة في صخرة صماء، أم نغمة موسيقية تسافر بين القلوب، أم ذلك الصمت الذي يسكن بين الكلمات؟ أم أنه خيط خفي يصل روح المبدع بروح المتلقي، حيث تنتقل الأحاسيس والأفكار دون أن تستأذن اللغة؟
الرؤية أمر يسير، أما أن تجعل الآخرين يرون العالم بعيني روحك، فذلك هو السحر الذي لا يتقنه إلا المبدعون. حين رسم فنسنت فان غوخ لوحته الشهيرة "ليلة النجوم"، لم يكن يرسم السماء كما تراها العيون، بل كان يرسم اضطراب روحه ووحدته وحنينه إلى السكينة. لم تكن النجوم مجرد أجرام مضيئة، بل نوافذ تطل منها روح قلقة تبحث عن السلام.
وهنا يبدأ الفن الحقيقي، لا من الريشة ولا من الحجر، بل من العقل والخيال. يُنسب إلى مايكل أنجلو أنه كان يرى التمثال حبيسًا داخل الرخام، وأن مهمته لم تكن سوى تحريره. يا لها من فلسفة عميقة! فالفنان لا يصنع الجمال من العدم دائمًا، بل يكتشف جمالًا عجز الآخرون عن رؤيته. وربما كانت مهمة الفن تحرير المعاني السجينة في الأشياء، كما يحرر النحات تمثاله من الصخر.
ولعل عقل الفنان يعيش في عالم تتصافح فيه الفلسفة مع الخيال، والمنطق مع الحدس، والواقع مع الحلم. لم يرسم ليوناردو دافنشي "الموناليزا" ليمنح البشرية صورة امرأة فحسب، بل ترك ابتسامة حيّرت القرون، وكأنها سؤال لا يريد جوابًا. وما زلنا نتأملها، لا لنعرف سر ابتسامتها وحده، بل لنتساءل عن أسرارنا نحن.
الفن لغة الأشياء التي تعجز الكلمات عن وصفها. هكذا جعلت فريدا كاهلو من ألمها لوحات تنطق بما عجز عنه اللسان، وجعل بيكاسو من تشظي الأشكال مرآة لعالم تمزقه الحروب، بينما رأى كلود مونيه الزمن في ارتعاش الضوء فوق الماء، لا في عقارب الساعة. إن هؤلاء لم يعلمونا كيف ننظر إلى الأشياء، بل كيف نعيد اكتشافها.
وفي الأدب أيضًا، نجد غابرييل غارسيا ماركيز يأخذنا إلى قرى تختلط فيها الأسطورة بالحقيقة. لم يكن يهرب من الواقع، بل كان يكشفه بلغة الخيال. وكذلك يايوي كوساما، التي تجعلنا في غرف المرايا اللامتناهية نشعر بأن الإنسان نقطة صغيرة في كون لا حدود له.
ولكن هل يعني أن تجعل الآخرين يرون ما تراه أن تفرض عليهم رؤيتك؟ أبدًا. فالفنان العظيم لا يسجن المتلقي داخل تفسير واحد، بل يفتح له أبوابًا متعددة. قد يرى أحدهم في اللوحة أملًا، بينما يرى آخر حزنًا. وقد يسمع إنسان في الموسيقى فرحًا، بينما يستعيد آخر بها وجع فراق قديم. وهنا تكمن عبقرية الفن: أن يكون العمل واحدًا، وتولد منه آلاف الحكايات.
حين رسم بانكسي طفلة تترك بالونًا أحمر يطير بعيدًا، لم يكن يزين جدارًا، بل كان يحدثنا عن البراءة والفقد والأمل. وكذلك جان ميشيل باسكيات، الذي جعل من فوضى الألوان حوارًا صارخًا حول الهوية والعنصرية والرأسمالية. فالفن لا يطالبنا دائمًا بالإجابات، بل يوقظ فينا الأسئلة التي نخشى مواجهتها.
وأعود مرة أخرى إلى شاطئ السيب، إلى أولئك المعلمين والأدباء الذين لم أعد أعرف أين أخذتهم الحياة. ربما رحل بعضهم، وربما ما زال بعضهم يكتب الشعر ويتحدث عن الجمال. لكنهم تركوا في ذاكرة ذلك الصبي شيئًا لم تستطع السنوات محوه. لقد علموني، دون أن يقصدوا، أن الفن ليس ما نراه بأعيننا، بل ما يوقظه الآخرون في أرواحنا.
ولعل أعظم انتصار للفنان ليس تصفيق الجمهور، بل تلك اللحظة التي يقف فيها إنسان أمام عمل فني، ويصمت طويلًا، ثم يهمس: "الآن فهمت، الآن شعرت".
الفن ليس ما تراه عيناك، بل ما تجعل الآخرين يبصرونه. وحين نمنح الآخرين القدرة على رؤية ما وراء الأشياء، فإننا لا نصنع فنًا فحسب، بل نعيد إلى الإنسان شيئًا من إنسانيته.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية