صرّح الممثل السوداني أمين بن رشيد بأنه رفض تصوير دوره كشخصية «عثمان» في فيلم «لمن يجرؤ» على أنه رجل ينتظر التعاطف، مشدداً على أن ضعفه الناتج عن ظروف الغربة لا يمس بكرامته ولا يحدّ من قدرته على الحب واتخاذ القرارات الحرة.
وأوضح بن رشيد، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن ما استقطبه نحو هذه الشخصية هو تمسكها بالاستمرار في الحياة رغم الخوف، وبحثها الدائم عن الحب والشعور بالتقدير. وأشار إلى أن المنفى يفسر جزءاً من معاناته، لكنه لا يحدد هويته بالكامل، إذ يرتبط سعي «عثمان» للحب بمحاولته استعادة حريته والإحساس بقدرته على الحلم واتخاذ المصائر.
ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ»، الذي بدأ عرضه في الدورة السابقة من مهرجان «برلين السينمائي» وشهد عرضاً جديداً في مهرجان «الجونة السينمائي»، قصة علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تجسدها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينيات من عمرها، و«عثمان»، الشاب السوداني الذي يقيم دون وثائق رسمية. وبين الفجوة العمرية واختلاف الخلفيات، ومعارضة المحيطين، يسعى الطرفان لحماية علاقتهما، في حين يزيد الاضطراب المحيط بهما من صعوبة بناء حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام تحديات تتجاوز مجرد الرغبة في البقاء معاً.
وبيّن بن رشيد أن استيعاب شخصية «عثمان» تطلب تخيّل سيرة سابقة لظهوره الأول على الشاشة، مليئة بالخسائر والذكريات والأسرار. ولفت إلى أنه حاول استكشاف أثر هذه التجارب في نظرة الشخصية وحركاتها وطريقة تواصلها مع الآخرين، ليخلق لدى المشاهد إحساساً بوجود ماضٍ مؤثر، دون الحاجة إلى سرد كامل للقصة أو تفسير كل تصرف.
ولفت الانتباه إلى أن الوضع القانوني لـ«عثمان» يفرض عليه شعوراً دائماً بعدم اليقين، الذي يمتد تأثيره إلى تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل. وأوضح أنه سعى لإبقاء هذا القلق حاضراً في أدائه دون الإفراط في إظهاره، مستمراً في الحب واتخاذ القرارات رغم احتمال فقدان ما يبنيه، وهو التوتر الذي اعتبره جوهر فهم الشخصية.
وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان جانباً تركه مفتوحاً في الشخصية؛ فبينما يمكن للقاء العاطفي أن يكون ملاذاً لشخص يعيش عدم استقرار، إلا أن ذلك لا ينفي صدق مشاعره، مؤكداً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».
وأشار إلى أن الفارق العمري لم يكن نقطة البداية في بناء العلاقة مع البطلة، بل التاريخ الشخصي لكل منهما وما يحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن يجده لدى الآخر. وذكر أن تحقيق الألفة المقنعة تطلب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجآت، إيماناً منه بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينبع من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما أثناء المشهد.
واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد بقي في ذهنه طوال العمل، حين طلبت منه إظهار الحب. وأوضح أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي، فبحث عن الحنان والحاجة المتبادلة، وانتبه للنظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجانب «سوزان»، ليصل إحساسهما إلى الجمهور دون تأكيد مباشر.
وتابع أن العمل مع هيام عباس عزز لديه أهمية بقاء الممثل منفتحاً على شريكه، مهما كان مستعداً للمشهد. وأشار إلى أن التحضير يمنح فهماً للشخصية، لكنه يحتاج أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث والاستجابة له، وهي تجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح بتطور المشهد.
وبخصوص غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين لعلاقته بالبطلة، أوضح بن رشيد أن ذلك ينبع من شعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فوجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان. ولفت إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات متفاوتة، فيظهر الغضب أحياناً ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين القدرة على تحديد مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.
وأكد أنه لم يكن ملزماً بالموافقة على جميع قرارات الشخصية لأدائها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها منطقية بالنسبة لها، خاصة أن تصرفاً قد يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح واضحاً عند النظر إلى خلفية صاحبه ومخاوفه ورغباته.
وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى الجمهور في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات المسبقة. وأكد أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل قصصهم، وكشف ما يجمعنا بهم، مع الحفاظ على خصوصية تجاربهم وتميز مساراتهم.
وحول طموحاته المستقبلية، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتغيرات عميقة، تتيح له الخروج من الصورة النمطية المتوقعة منه. وأعرب عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً أو تنتمي لعوالم خيالية، مع سعيه لبناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات متنوعة الأصول والحكايات.