تعود ذاكرة ألمانيا الشرقية إلى واجهة المشهد الأدبي، مثيرةً أسئلة تتجاوز حدود الرواية إلى السياسة والتاريخ وحق الأجيال الجديدة في إعادة تخيّل الماضي. وقد أعادت رواية «غيرتزي» للكاتبة الألمانية شارلوت غنويس إشعال هذا الجدل، بعدما أثارت تفاصيلها التاريخية واللغوية اعتراضات من بعض الأدباء والنقاد، وفتحت نقاشاً أوسع حول الذاكرة والهوية وحدود الحرية الإبداعية. ويتزامن هذا الاهتمام الأدبي بماضي ألمانيا المنقسمة مع صعود اليمين المتطرف، وتجدد التساؤلات بشأن ما تحقق من وعود الوحدة الألمانية وما بقي منها معلّقاً.
أثناء هذه الحملة كانت غنويس قد تخلت عن بيتها في لايبزيغ، واستبدلته بشقة متواضعة في إكس أون بروفانس. وكانت أيضا في منتصف جولة أدبية بين فرنسا وسويسرا للتعريف بالنسخة الفرنسية من عملها، والإعلان عن النسخة الإنكليزية. وكانت قد تهيأت لإصدارها في بريطانيا دار نشر صغيرة هي «أربوريتوم بوكس» بترجمة لوسي جونز، وبعنوان معدل هو «ريد سكايز ـ سماء حمراء». سارعت غنويس للدفاع عن نفسها، وظهرت في وسائل الإعلام ببلوزة سوداء وتسريحة شعر قصيرة. لكنها اعترفت «بأن الخروج من السباق على الجائزة كان صعبا». ثم التقطت أنفاسها وأضافت: «أينما ذهبت أسمع أنني شابة وعرضة للوقوع بالخطأ. أصبحت المشكلة محطة في سيرة حياتي. ولكن أحدا لم يتكلم عما جرى وراء الكواليس». ثم تؤكد أن موضوعها كان يهدف لمناقشة مسائل في الحرية العامة، وهي مشكلة كونية، وليست خاصة بألمانيا. وإذا كان لا يحق لألماني أن يكتب عن ناميبيا مثلا، لا يجوز أن نمنع الشباب من الكتابة عن ماضيهم، ولو أنهم لم يولدوا فيه، وإلا لما كانت لدينا رواية تاريخية.
وتذكر لوسي ثاين المحررة الأدبية لـ»التلغراف» البريطانية أن غنويس أصدرت طبعة ثانية من روايتها، وصححت فيها القليل مما أصبح يعرف باسم «أخطاء شولتز»، وهي طفيفة بكل المقاييس، وذلك بعد مزيد من التدقيق، والعودة إلى أرشيف الدولة، وإجراء مقابلات مع عمال مناجم اليورانيوم في منطقة دريسدن، واستشارة والديها، وكلاهما من الشرق، وهما خزان معلومات عن تاريخ ألمانيا. ولم يغادرا النصف الشرقي إلا قبل سقوط الجدار بقليل. تصور رواية غنويس ظروف تحقيق المخابرات المحلية مع كارين البالغة من العمر 16 عاما، بسبب هروب صديقها بول إلى النصف الغربي. وتنهار الصبية الصغيرة خلال التحقيقات وتفشي أسرار زميلاتها في المدرسة لأحد الضباط الشباب. ويتخلل ذلك مقارنة بين الحياة في المدرسة (سياسة التعليم في ظل الحزب الواحد والتابع) والحياة في المنزل (حفلات الرقص والترفيه بعيدا عن عيون الرقابة). وتستغل الكاتبة هذا الأسلوب لتوجه سهام نقدها للدولة الأمنية، ولمجتمع مضطرب يعيش على أعصابه بسبب التقشف والخوف. ولكنها لا تسهب بالتفاصيل التاريخية، وتهمل تأثير شبح موسكو الثقيل على الألمان ـ وكانت هذه أكبر نقطة ضعف سجلها النقاد، والكلام للتلغراف.
تسأل غنويس نفسها في أحد اللقاءات: لماذا لا نزال مفتونين بدولة ميتة؟ وتجيب مباشرة: ربما بسبب الفضول. فنحن نريد أن نفهم كيف صعدت روسيا من رماد الاتحاد السوفييتي. كما أننا نرى أن «الرأسمالية الغربية لم تعد تجدي نفعا. وربما يأتي يوم وتنجح به الاشتراكية الشرقية». ثم تضيف: إن «الحنين للشرق» بحثا عن مجتمع الخدمات لا يلغي تعقيدات الحياة في ظل الديكتاتورية، حيث إن الصمت قسري وشبيه بالموت السريري كأنك حي / ميت مسلوب الإرادة. وتأتي رواية «غيرتزي» في وقت يزداد فيه اهتمام البريطانيين بأدب شرق ألمانيا. فقد منحت البوكر الدولية جائزتها عام 2024 إلى رواية «كايروس» للألمانية جيني إيربينبيك. وتصور فيها كاتبتها علاقة غرام بين أستاذ جامعي كبير بالعمر ومراهقة، بأسلوب يجمع بين نقد المحرمات وتحليل الأخلاق وتشريح السياسة. ويجري خلال الأحداث الانتقال بين شرق وغرب برلين لدواعي المقارنة وتحدي سياسة الجدار والكلام عن تأثيره السلبي على توازن الأفراد والمجتمع. تنتمي إيربينبيك إلى عائلة مثقفة، كما أن أمها هي مترجمة نجيب محفوظ إلى اللغة الألمانية. وتحتل واجهة مكتبات لندن في هذه الأيام روايات كريستا فولف (الروائية المحتارة بين الشرق والغرب)، وبحوث كاتيا هوير (عما قبل الجدار وما بعده). إلى جانب أعمال حديثة منها رواية «الحياة الثامنة» لنينو هاراتشفيلي (وهي ألمانية مولودة في جورجيا)، «الأحشاء» للباحثة جولي أنديرز، «لماذا سرقنا السيارة» لفولفغانغ هيرندورف (كاتب تشويق شبابي) وغيرها..
ويأتي هذا الاهتمام بعد اكتساح حزب «البديل من أجل ألمانيا» للانتخابات في ساكسونيا -أنهالت، وهي منطقة كانت تابعة للشرق (وقد وصف المستشار الألماني، فريدريش ميرتس ذلك بأنه «كارثة»). وإذا كان من الوارد أن يكسب البديل الأغلبية في الأيام المقبلة، فإن هذا برأي غنويس أكبر خطر تواجهه البلاد منذ أيام هتلر. لأنه يعني تناسي أوكرانيا، وتقييد الإجهاض، وفرض شروط صارمة على الهجرة، والابتعاد عن إحياء ذكرى المحرقة وثقافتها، واعتماد نسخة «وطنية» متشددة من التاريخ الألماني. وترى غنويس أن اليمين في ألمانيا يزداد خطورة وتطرفا ويدفع بالبلاد إلى وقت عصيب. ولكن بالمقارنة مع باقي أوروبا تنحو هذه الاتجاهات للتخلي عن سياساتها العنصرية واتخاذ شكل ليبرالي أو محافظ (كما أثبتت مالوني إيطاليا وكما تفعل لوبان فرنسا). ولا تعتقد غنويس أن نجاح اليمين في الشرق يشكل مفاجأة. فالوحدة لم تحقق في التسعينيات الوعود التي قطعتها على نفسها. واليسار يتحمل جزءا من المسؤولية، ربما لأنه (والكلام لها) رغم سقوط الجدار «يفتقر إلى سردية واضحة. ولم يكن في ذهنه أي رواية عن أساليب وأشكال المستقبل». عملت غنويس لسنوات في روضة أطفال مع اللاجئين، ثم تفرغت للكتابة، والآن تعمل على ثاني رواياتها، بالإضافة إلى سيناريو سينمائي من رواية «غيرتزي».
*عن صحيفة «التلغراف» ** كاتب ومترجم سوري