تُعدّ تنمية رأس المال البشري وتطوير المهارات المهنية ركائز أساسية في مسار إعادة إعمار القطاع المصرفي السوري، حيث لا يمكن تحديث المؤسسات المالية ومواءمتها مع المعايير الدولية دون تعزيز قدراتها البشرية. وفي هذا الإطار، تكتسب مبادرة إعادة تشغيل مركز التدريب والتأهيل المصرفي التابع لمصرف سورية المركزي أهمية تتجاوز البعد التدريبي التقليدي، لتصبح مدخلاً محورياً نحو بناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وقدرة على استعادة ثقة المتعاملين.
وفي مقابلة مع صحيفة “الوطن”، وصف الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور ناصر قيدبان هذه الخطوة بأنها ليست مجرد إجراء إداري أو إعادة تفعيل لمؤسسة تدريبية، بل هي قرار استراتيجي بالغ الأهمية في مرحلة إعادة بناء وتطوير المنظومة المصرفية السورية، معتبراً إياها من المداخل الجوهرية لتحديث النظام المالي في البلاد.
وأوضح قيدبان أن الأهمية الاقتصادية والمؤسسية لهذه المبادرة تنبع من أولوية بناء الكفاءات البشرية قبل البنية التحتية للمؤسسات، مشيراً إلى أن تحديث القطاع لا يتحقق بمجرد تحديث القوانين أو تبني التقنيات الجديدة، بل يبدأ بتأهيل كوادر قادرة على إدارة هذه التحولات بفاعلية.
وأضاف أن المصارف بحاجة ماسة اليوم إلى كوادر متخصصة في مجالات متقدمة تشمل إدارة المخاطر الائتمانية والتشغيلية، والرقابة والامتثال، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن الحوكمة والشفافية، والأمن السيبراني، والتحول الرقمي، وإدارة السيولة والاستثمارات، والتقنيات المالية والمدفوعات الإلكترونية. وأكد أن المركز يبرز هنا كجسم وطني متخصص في بناء القدرات المصرفية، وليس مجرد جهة تقدم دورات تدريبية نمطية.
استعادة الثقة ومواكبة التحولات العالمية
وشدد قيدبان على أن الثقة تشكل رأس المال الحقيقي لأي نظام مصرفي، ولا يمكن استعادة ثقة الأفراد والشركات والمستثمرين إلا بوجود كوادر مؤهلة، وأنظمة رقابة صارمة، وممارسات مهنية متوافقة مع المعايير المصرفية الدولية.
ورأى أن وجود مركز متخصص تحت إشراف المصرف المركزي يسهم في توحيد المفاهيم المهنية، ورفع مستوى الأداء، وترسيخ ثقافة الالتزام والشفافية داخل المصارف.
وفي سياق التطورات العالمية، لفت إلى أن الصناعة المصرفية تمر بتغيرات جذرية بفعل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والمصارف الرقمية، وأنظمة الدفع الإلكتروني. وأكد أن المركز يمكن أن يكون بوابة لنقل المعرفة المصرفية الحديثة إلى سوريا، وتأهيل جيل جديد من القيادات القادرة على التعامل مع هذه التحولات.
فرصة لنقل الخبرات
واعتبر قيدبان أن الشراكة الدولية مع مؤسسة أكاديمية متخصصة مثل جامعة فرانكفورت للتمويل والإدارة تمثل فرصة ثمينة للاستفادة من المناهج والخبرات المتقدمة في مجالات التمويل والمصارف والإدارة.
وأوضح أن القيمة الجوهرية لهذه الشراكة تكمن في إمكانية نقل المناهج والتجارب المصرفية الرائدة، وتطوير برامج تدريبية وفق معايير دولية، وتأهيل مدربين سوريين بأساليب حديثة، وتوفير شهادات مهنية متخصصة، إلى جانب بناء شبكة علاقات أكاديمية ومصرفية دولية.
لكنه حذر من أن نجاح هذه الشراكة لا يُقاس بتوقيع الاتفاقيات فقط، بل بمدى انعكاسها الفعلي على جودة التدريب، وكفاءة العاملين، والأداء المؤسسي للمصارف.
متطلبات تحويل المركز إلى مشروع وطني مؤثر
ورأى قيدبان أن تحويل هذه المبادرة إلى مشروع وطني ناجح يتطلب استيفاء شروط أساسية، أبرزها ضمان الاستقلالية المهنية للمركز، وتمتعه برؤية تدريبية متخصصة وبرامج مبنية على الاحتياجات الفعلية للقطاع، إلى جانب الحصول على الاعتمادية الدولية من خلال شراكات مع جامعات ومعاهد مصرفية عالمية للاستفادة من خبراتها في تطوير المناهج والشهادات.
كما شدد على ضرورة عدم حصر التدريب بالموظفين فقط، بل العمل على تأهيل القيادات المصرفية لإدارة التحولات المستقبلية، وربط البرامج التدريبية بالتحديات الحقيقية التي تواجه المصارف السورية عبر دراسات الحالة والمحاكاة والتطبيق العملي.
وأضاف أن التحول الرقمي يستوجب إنشاء مسارات تدريبية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، بالتوازي مع وضع مؤشرات أداء دقيقة لقياس أثر التدريب على جودة الخدمات، ومستوى الامتثال، وإدارة المخاطر، والإنتاجية.
وأكد أن إعادة إطلاق المركز تفتح آفاقاً لبناء منظومة تعاون وطنية تجمع بين مصرف سوريا المركزي، والجامعات السورية، والمؤسسات الأكاديمية والتدريبية المتخصصة، والخبراء والمستشارين المصرفيين، فضلاً عن الجامعات والمعاهد الدولية.
وأشار إلى أن هذا التعاون يوسع قاعدة الاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، ويتيح تصميم برامج تلبي احتياجات القطاع المصرفي بمختلف مستوياته، كما أن توأمة المركز مع مؤسسات تدريب دولية يمكن أن يرفعه من كونه مركزاً محلياً إلى منصة وطنية وإقليمية لتطوير الكفاءات المالية والمصرفية.
نحو أكاديمية وطنية للقيادات المصرفية
وفي خلاصته الاستراتيجية، أكد قيدبان أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة تكمن في تعزيز الوعي بأن إعادة بناء القطاع المصرفي السوري تبدأ من الإنسان الذي يدير المصارف، والمعرفة التي يستند إليها، والمعايير المهنية التي تحكم أدائه.
ورأى أن الطموح يجب ألا يقتصر على إعادة تشغيل المركز، بل يجب أن يتطور ليصبح الأكاديمية الوطنية للقيادات والكفاءات المصرفية والمالية في سوريا، ليكون مرجعاً مهنياً لتأهيل العاملين في القطاع المالي وربطهم بأحدث التطورات والمعايير الدولية.
واختتم قائلاً إن إعادة إطلاق مركز التدريب والتأهيل المصرفي في المركزي ليست مجرد استثمار في التدريب، بل هي استثمار في الثقة والاستقرار والنمو الاقتصادي، فالمصارف القوية لا تُبنى برؤوس الأموال وحدها، بل بالكفاءات التي تديرها، والمعرفة التي توجه قراراتها، والحوكمة التي تضبط أداءها.