على عمق يقارب 18 مترا تحت سطح الماء، كان علماء الأحياء البحرية يفتشون عن كائنات قد تفوت على معظم الغواصين، غير أنهم رصدوا بين الصخور كائنين صغيرين يشبهان العنكبوت، أحدهما يبرز بعيون حمراء، وثلاث شفاه، وأرجل مغطاة بالشعيرات.
لم يكن المشهد من خيال أفلام الرعب، بل كان اكتشافا علميا جديدا تم في مياه بحر ساليش الواقع على الساحل الغربي لكندا.
وثّق الباحثون من جامعة كولومبيا البريطانية هذين الكائنين في دراسة حديثة نُشرت في مجلة "أورغانِزمز دايفرسيتي آند إيفوليوشن"، حيث سُمي أحدهما "كاليباليني بيلوسوسبيدس"، تيمنا بأقدامه المشعرة.
غير أن الشعر لم يكن السمة الأكثر غرابة، إذ يمتلك الكائن عينين حمراوين، وخرطوما مثلث الشكل ينتهي بثلاث شفاه، وتغطيه شعيرات حسية تسهّل عليه استكشاف محيطه، كما يملك أطرافا مخصصة لتنظيف جسده.
أما النوع الثاني الذي عثر عليه الباحثون فكان أكثر تميزا، وسُمي "تانيستيلوم كيكسين"، وهو اسم مستمد من قرية للسكان الأصليين كانت موجودة قديما قرب موقع الاكتشاف، بينما تشير كلمة "كيكسين" إلى صوت اصطدام أمواج البحر.
يتميز هذا النوع بأطراف أقصر من النوع الأول، وهو فرق قد يبدو بسيطا لكنه يغيّر نمط حياته جذريا؛ فبسبب قصر أرجله، لا يستطيع تنظيف جسمه بانتظام، مما يؤدي مع الوقت إلى تراكم الأوساخ والمواد العضوية عليه، لتجد كائنات طفيلية صغيرة في ذلك المكان بيئة مثالية للعيش، فيتحول العنكبوت البحري نفسه إلى موطن لكائنات أصغر حجما.
ويصف الباحث كورماك تولر سكوت، الأستاذ في قسمي علم النبات وعلم الحيوان بجامعة كولومبيا البريطانية، هذه الظاهرة في بيان صحفي صادر عن الجامعة بأنها: "نظام بيئي داخل نظام بيئي داخل نظام بيئي".
ويوضح كورماك أنه على الرغم من تصنيف هذه الكائنات ضمن العناكب البحرية، إلا أنها ليست عناكب بالمعنى الدقيق، بل تنتمي إلى مجموعة من مفصليات الأرجل البحرية التي تربطها صلة تطورية بالعناكب والعقارب، لكنها تشكل فرعا مختلفا تماما.
تعود جذور هذه الحيوانات إلى حوالي 500 مليون سنة، وتتراوح أحجامها بين كائنات صغيرة لا يتجاوز طولها سنتيمترا واحدا، وأخرى قد يزيد حجمها عن نصف متر، وبعضها يملك ما يصل إلى 12 ساقا.
وتتجاوز الغرابة الشكل، فالعناكب البحرية تفتقر إلى جهاز تنفسي يشبه رئاتنا أو خياشيم الأسماك، بل تحصل على الأكسجين عبر سطح جسمها، والأكثر إثارة للدهشة هو ما يحدث أثناء التكاثر، حيث تضع الأنثى بيوضها على أطرافها، ثم يلتقطها الذكر بأطراف متخصصة تسمى "الأوفيغيرز"، ويلصقها على ساقيه بواسطة إفرازات خاصة، حاملا إياها حتى تنمو، مما يعني أن الأب هو من يتولى حمل البيض ورعايته في عالم العناكب البحرية.
وأوضح البيان أن النوعين اكتُشفا في بحر ساليش شمال غربي كندا، خلال عمليات غوص نفّذها الباحثون قرب فانكوفر، مشددا على أن أهمية الاكتشاف لا تكمن فقط في غرابة الكائنين، بل في كونهما أول عنكبوتين بحريين جديدين يوصفان علميا من بحر ساليش منذ نحو 100 عام.
وجاء هذا الاكتشاف عرضيا ضمن مشروع بحثي يقوده العالم كورماك تولر سكوت، يهدف إلى فهم تأثير تغير المناخ والاضطرابات البشرية على اللافقاريات البحرية في بحر ساليش.
ورغم الحماس المصاحب للاكتشاف، أثار الأمر ملاحظة مقلقة مفادها أن العلماء لا يمكنهم حماية كائنات لا يعرفون بوجودها أصلا، مشيرا في دراستهم إلى أن "ما زال هناك نقص كبير في المعلومات عن أنواع كثيرة من اللافقاريات البحرية، وعن أماكن عيشها وطريقة حياتها".