عندما اقتحمت الحملة الفرنسية القاهرة في صيف عام 1798، كان المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي حاضراً يسجل ملاحظاته؛ فقد دوّن أصوات المدافع، والمراسيم الصادرة، وأسعار الخبز، كما وثّق اندهاشه وهو يراقب علماء الحملة وهم ينفذون تجاربهم الكيميائية. وقد خلّف الجبرتي توثيقاً لا غنى عنه للمؤرخين، لكنه ظل ينظر إلى ما حدث في الغالب بوصفه نازلة عابرة ستنتهي بانسحاب أصحابها. وبعد مرور ثمانية وعشرين عاماً، انتقل رفاعة الطهطاوي إلى باريس بصحبة بعثة دراسية بصفته إماماً لها، وهناك ألّف كتابه «تخليص الإبريز». لقد خرج الطهطاوي من صدمة المواجهة مع أوروبا بسؤال تحوّل إلى مشروع فكري: كيف يمكن لأمة أن تتعلم ممن تفوقوا عليها دون أن تفقد هويتها وتذوب في ثقافتهم؟ وظل هذا التساؤل يشغل الفكر العربي لقرن كامل، وقد تناول هذا الملحق تفاصيله في عدده السابق. إن الفرق الجوهري بين الرجلين يكمن في المسافة الفاصلة بين مجرد معاصرة التحول وبين إدراك حقيقته، فالحضور في اللحظة لا يضمن بالضرورة فهمها، إذ إن كثيرين ممن عاشوا منعطفات تاريخية كبرى اقتصروا على رصد تفاصيل أيامهم دون أن يتبينوا الاتجاهات الكبرى. والسبب في ذلك أن التحولات العميقة تبدأ غالباً صغيرة ومتناثرة، ولا يجمعها في صورة متكاملة إلا عقل معتاد على ربط الأحداث بأسبابها ونتائجها. ومن هذا المنطلق تبدأ مسؤولية المثقف في استشراف الوجهة داخل التفاصيل، وتسمية التحولات قبل أن تتصلب وتتحول إلى قدر محتوم لا يقبل النقاش. ونحن اليوم نعيش لحظة مماثلة؛ إذ تعيد الحرب ترتيب المعادلات الإقليمية، بينما تعيد الثورة التكنولوجية تشكيل تفاصيل الحياة والعمل والإدراك، وتتغير قواعد العيش في مجتمعاتنا العربية والخليجية بهدوء لا يلفت الأنظار. ورغم عمق هذا التحول وخطورته الوجودية، لا يزال بعض المثقفين العرب يبددون جهودهم في التعليقات العابرة، مؤجلين التعامل مع السؤال الأخطر والأهم: إلى أين يتجه هذا المسار؟ إلى أين تمضي منطقتنا ولغتنا وذاكرتنا؟ وما الذي نستطيع الاحتفاظ به وما الذي يمكننا تركه خلفنا؟ وتتجلى مسؤولية المثقف في مثل هذه اللحظات في أن يرى بعينه قبل أن يُستشار، وأن ينقل لمجتمعه ما يحتاج إلى سماعه حتى لو كان القول ثقيلاً أو مؤلماً. كما يجب أن يقاوم إغراء الاصطفاف، فالمجتمعات تميل نحو الاستقطاب في أوقات التحول، وتحتاج إلى من يذكّرها بأن القضايا الكبرى نادراً ما تُحسم بالانحياز إلى معسكر بعينه. ولدى هذه المسؤولية وجه آخر يقع على عاتق المجتمع ومؤسساته؛ فالمثقف الذي نطالبه بطرح الأسئلة يحتاج إلى فضاء رحب يتسع للسؤال، ويتحمل احتمالية أن يأتي الجواب مخالفاً لما نرغب فيه. لقد أدّى الجبرتي دور الشاهد الأمين، ومصر والعالم العربي مدينان له، غير أن التوثيق مجرد بداية للوعي، والمثقف الذي يتوقف عند هذه المرحلة يترك لغيره، وغالباً لمن يملكون أعلى الأصوات، أن يحددوا معنى اللحظة.
بين معاصرة التحول وإدراكه: مسؤولية المثقف في قراءة المستقبل
يستعرض المقال الفارق بين مجرد توثيق الأحداث كما فعل الجبرتي، وإدراك أبعادها كما فعل الطهطاوي، داعياً إلى تجاوز التعليقات السريعة نحو تحليل عميق لاتجاهات التحولات الراهنة في المنطقة.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.