تخطّي إلى المحتوى
الأحد، 25 أكتوبر 2026
عاجل
دار الإفتاء: قراءة القرآن من الهاتف جائزة دون وضوء التخطيط: الفحص المختبري إلزامي لجميع المنتجات ولا بديل إلكتروني له علماء روس يطوّرون تقنية مبتكرة لتقوية الفولاذ في معدات التعدين دراسة: الصيام المتقطع مع الرياضة أكثر فعالية في خسارة الوزن توقيع عقد لبناء 3 ناقلات نفط عملاقة بقيمة 451 مليون دولار أبل تدرس تحسينات لواجهة Safari على الشاشة الخارجية لهاتف iPhone Duo جدول العطلات الرسمية المتبقية في مصر خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026 أوكرانيا في الصدارة بين الدول المصدرة للغذاء إلى مصر خلال أسبوع الجزائر تخصص 20.48 مليار دينار لقطاع المناجم في ميزانية 2027 صناعة لوحة اسم المولود من الكرتون: نشاط إبداعي للحامل في الشهر الثامن دار الإفتاء: قراءة القرآن من الهاتف جائزة دون وضوء التخطيط: الفحص المختبري إلزامي لجميع المنتجات ولا بديل إلكتروني له علماء روس يطوّرون تقنية مبتكرة لتقوية الفولاذ في معدات التعدين دراسة: الصيام المتقطع مع الرياضة أكثر فعالية في خسارة الوزن توقيع عقد لبناء 3 ناقلات نفط عملاقة بقيمة 451 مليون دولار أبل تدرس تحسينات لواجهة Safari على الشاشة الخارجية لهاتف iPhone Duo جدول العطلات الرسمية المتبقية في مصر خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2026 أوكرانيا في الصدارة بين الدول المصدرة للغذاء إلى مصر خلال أسبوع الجزائر تخصص 20.48 مليار دينار لقطاع المناجم في ميزانية 2027 صناعة لوحة اسم المولود من الكرتون: نشاط إبداعي للحامل في الشهر الثامن

أهمية النظام

25 أكتوبر 2026 5 د للقراءة 5
أهمية النظام

تلقيتُ اليوم تقريرًا طبيًّا لأشعة دقيقة أجريت قَبل نحو شهر ونصف، وأعلم أنَّه في بلادنا يحصل المريض على تلك النتيجة بعد بضعة أيَّام. إنَّما هكذا يعمل نظام خدمة الصحَّة الوطنيَّة في بريطانيا: التحليل الذي تحصل على نتيجته في اليوم التَّالي ببلادنا العربيَّة قد يأخذ أسبوعًا أو عدَّة أسابيع هنا. صحيح أن طول المُدَّة أمْر مزعج للمريض، لكن وجود «نظام» أمر مطمئن جدًّا. فالنظام واتِّباع القواعد هو السَّبب في تحويلي لعمل تلك الأشعة المتقدمة بعدما لم تظهر أشعة السونار التي أجريها دَوْريًّا أمْرًا ما. فبشكل روتيني حوَّلني فريق الاستشاري الذي يتابع حالتي لعمل تلك الأشعة المكلفة دون طلب منِّي، وإنَّما لِيحافظَ الفريق على التشخيص السَّليم. رُبَّما تراجعت الخدمة الصحِّيَّة العامَّة في بريطانيا بعض الشيء، مثلها مثل خدمات أخرى في هذه البلاد وبقيَّة البلاد المماثلة. لكن وجود النظام يحافظ على قدر من الجودة قد لا تجده في أماكن أخرى أسرع تعاملًا وأكثر إبهارًا.

ليس البطء لأنَّ الخدمة الصحِّيَّة هنا مجانيَّة لِمَن يدفع الضرائب وأقساط التأمينات الاجتماعيَّة في فترة عمله، وإنَّما هو من مظاهر «النظام» الذي قد لا يعجب البعض. أمَّا في بلادنا فإنَّ أغلب تلك الخدمات مدفوعة إذا كانت مقدمَّة من القِطاع الخاص، إمَّا مباشرةً أو من شركات التأمين الخاصَّة. مع ذلك فإنَّ السرعة ليست دائمًا علامة جودة، وإن كانت عالية الكلفة طبعًا. ففي الطِّب والصحَّة ليس دائمًا «الغالي ثمنه فيه». فضلًا عن أنَّه في نُظم التأمين الصحِّي الخاص في كثير من البُلدان التي تعتمده غالبًا ما تطلب المستشفيات الخاصَّة التي تتعامل مع التأمين تحاليل وفحوصات ومعاونات تشخيص أخرى قد لا تكون ضروريَّة تمامًا، إنَّما لِتحصلَ كلفتها من شركات التأمين. حتى الخدمة الصحِّيَّة المباشرة من القِطاع الخاص، لا يبخل فيها المريض ولا أهله على كلفة أيِّ معاونات تشخيص تطلب منهم. ورغم التشريعات والقوانين التي تنظِّم تقديم الخدمات الطِّبيَّة الخاصَّة وعمل شركات التأمين الصحِّي، إلَّا أنَّ المستشفيات والمراكز الطِّبيَّة يمكنها أن تفعلَ ما تشاء «لأسباب طبيَّة» لن يجادلَ فيها مَن لا يعرف في الطِّب.

ولأنِّي أعرف في الطِّب بحكم دراستي ـ وليس عملي ـ وأيضًا خبرت النظام هنا وفي بلادنا لعلَّاتي المزمنة، فأستطيع القول باطمئنان إنَّ النظام أهمُّ من المال. ومهما ضعف النظام يظلُّ ضمانة حقيقيَّة للجودة والسَّلامة. ينطبق ذلك على كل مناحي الحياة وليس فقط الطِّب والصحَّة. فالدول التي ترسَّخ فيها النظام مهما عانت وتراجعت تظلُّ مستمرَّة بالدَّفع الذَّاتي؛ لأنَّ بها نظامًا. أمَّا الدول والمُجتمعات التي تفتقر إلى نظام راسخ تراكَم عبر السنين فمهما زادت ثرواتها تظلُّ عرضًا للهشاشة في مواجهة أيِّ أزمة طارئة.

الحمد لله، استبعدت نتيجة الأشعة الشكوك التشخيصيَّة، وبالتَّالي لن أقابلَ الاستشاري إلَّا في الموعد المُحدَّد بعد أشْهُر. ولو أنَّ شيئًا ظهر في تلك الأشعة لكنتُ استدعيتُ في أقرب وقت لمناقشة ما يتعين عمله. هذا ما يُمليه النظام ويلتزم به الأطبَّاء وكل العاملين في خدمة الصحَّة الوطنيَّة. والأهم، أن النظام يعامل كبار السِّن وأصحاب الأمراض المزمنة باهتمام أكبر. ليس معنى ذلك عدم الاهتمام ببقيَّة المواطنين، ولكن في بُلدان أخرى لا تحظى تلك الفئات الأكثر احتياجًا للمتابعة الصحِّيَّة والعلاج بهذا القدر من الاهتمام الذي يفرضه النظام هنا. نعم، يخاف الأطبَّاء والعاملون في الخدمة الصحِّيَّة من القانون إن أهملوا بحقِّ أيِّ مريض، فلا يتوانون عن اتِّباع القواعد والأُصول. لكن خشية القانون تلك أيضًا جزء من النظام.

أذكر قَبل أكثر من عشر سنوات وكنتُ أعمل في إحدى بلاد المنطقة وفي شركة محترمة، واحتجتُ لعلاج لحالة مزمنة. لكن شركة التأمين التي تتعاقد مها الشركة التي أعمل بها ماطلت في توفيره رغم استحقاقي له حسب التغطية التأمينيَّة. وللأسف لم تساندني شركتي خشية أن يتأثرَ قِسط التأمين الذي ستدفعه في العام التَّالي. بعد يأسي من المحاولات الفاشلة، أخذتُ إجازة وعدتُ إلى بريطانيا. وعلى الفور أقرَّ الاستشاري الذي يتابع حالتي العلاج وأخذتُه شِبه مجَّانيٍّ لمُدَّة أشْهُر. والحمد لله أثمر العلاج حتى الآن. الخلاصة أن البلد الذي كنتُ أعمل فيه به نظام حديث ومتطوِّر، لكنَّه ليس برسوخ النظام في بلد عريق مثل بريطانيا وإن تدهور حالها.

لم أرد أن أشغلَ القارئ بأمْر شخصي، إنَّما أردتُ أن أسحبَ تلك التجارب الشخصيَّة على حياتنا العامَّة كلِّها والاستدلال بها على أهميَّة النظام في الحفاظ على الدول والمُجتمعات. ورغم أن التطوُّر هو سِمة الحياة، وتحتاج النُّظم دومًا إلى إعادة نظر وتحديث، إلَّا أنَّ أهميَّتها تكمن في ترسُّخها وتراكُم أُسُسها التي لا تتغيَّر بالتطوير والتحديث. ومع أنَّ النُّظم العامَّة، التي توصف أحيانًا بأنَّها «بيروقراطيَّة جامدة»، قد تُتَّهم بأنَّها عقبة أمام الانطلاق والتقدُّم، فتلك فرية مردود عليها. ولا يروِّجها إلَّا مَن لا يستفيدون إلَّا من عدم وجود النُّظم والقواعد لأنَّهم «ينتفعون» ممَّا يسمونه «مرونة»؛ أي تخفيف القواعد والأُصول. المفارقة أن الدول والمُجتمعات التي بها نظام راسخ وبيروقراطيَّة متجذِّرة هي أيضًا الدول التي بها مرونة وحُريَّة أعمال لا محدودة. إنَّما الأخيرة لا تحافظ على بقائها واستمرارها مثلما يفعل النظام.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن