يبدأ الطفل جملته بحماس، ثم يتوقف عند الحرف الأول: "أ.. أ.. أنا عايز…". ينتظر الأب أو الأم اكتمال الكلمات، بينما يتسلل القلق: هل هذا التعثر مرحلة عابرة في تعلم الكلام، أم بداية صعوبة سترافقه سنوات؟ وقد تدفع الرغبة في مساعدته إلى إكمال جملته، أو مطالبته بالتمهل، لكن الدعم الذي يحتاجه يبدأ بفهم التأتأة وإعطائه مساحة للكلام دون استعجال.
وتحمل الدراسات أخبارا مطمئنة عن تعافي نسبة كبيرة من الأطفال، لكنها لا تجعل الانتظار وحده حلا مناسبا للجميع. فمدة التأتأة، وما يصاحبها من جهد أو انزعاج، وتأثيرها في رغبة الطفل في التواصل، عوامل تستحق الانتباه عند تحديد الحاجة إلى التقييم المتخصص.
تظهر التأتأة في صورة تكرار أصوات أو مقاطع أو كلمات، أو إطالة الصوت، أو توقف يعجز خلاله الطفل عن إخراج الكلمة رغم معرفته بما يريد قوله. وقد يصاحبها رمش متكرر أو ارتعاش في الشفتين، كما تتفاوت شدتها بين وقت وآخر. وتظهر التأتأة النمائية، وهي النوع الأكثر شيوعا، عادة بين عامين وستة أعوام، بالتزامن مع تطور مهارات الكلام واللغة.
وفي دراسة أسترالية نُشرت في مجلة "بيدياتريكس" عام 2013، تتبع الباحثون 1619 طفلا منذ عمر ثمانية أشهر، ووجدوا أن نسبة من ظهرت لديهم التأتأة بحلول الرابعة بلغت 11.2%. ويصف هذا الرقم الأطفال الذين مروا بالتأتأة خلال تلك السنوات، ولا يعني أنهم جميعا ظلوا يتأتئون عند بلوغ الرابعة.
ولا تعني صعوبة إخراج الكلمات بالضرورة ضعفا في القدرة على التعبير. فقد أظهرت الدراسة الأسترالية أن الأطفال الذين ظهرت لديهم التأتأة حققوا، في المتوسط، نتائج أفضل في اختبارات اللغة والمهارات المعرفية غير اللفظية، ولم ترصد لديهم آثارا سلبية واضحة في الجوانب النفسية والاجتماعية التي قاستها عند الرابعة. وتبقى هذه النتائج وصفا للعينة في تلك السن، وليست ضمانا لغياب الصعوبات لدى كل طفل.
تشير دراسات المتابعة إلى أن كثيرا من الأطفال يتجاوزون التأتأة، وإن اختلفت النسب باختلاف العينات ومدة المتابعة وتعريف التعافي. ففي بحث لجامعة إلينوي شمل متابعة 147 طفلا منذ فترة قريبة من بداية التأتأة، استند التحليل المنشور إلى 84 طفلا جرت متابعتهم أربع سنوات على الأقل. وقدّر باحثون نسبة التعافي بنحو 74%، مقابل استمرار التأتأة لدى 26%، وتوزعت حالات التعافي على سنوات المتابعة الأربع.
وفي متابعة للمجموعة الأسترالية نُشرت عام 2017، بلغت نسبة التعافي لدى الأطفال الذين ظهرت لديهم التأتأة بحلول الرابعة نحو 65% عند السابعة. لكن الدراسة الأسترالية الأولى كانت قد رصدت تعافي 6.3% فقط خلال الأشهر الاثني عشر التالية لبدء التأتأة، بما يوضح أن التحسن قد يحتاج إلى وقت أطول مما تتوقعه الأسرة.
ولا تتيح هذه النسب التنبؤ بمسار طفل بعينه، كما لا تعني أن على الأسرة الانتظار سنوات قبل طلب المساعدة. فالتقييم يساعد على فهم الحالة وتحديد ما إذا كانت تحتاج إلى متابعة أو تدخل، بدلا من الاعتماد على احتمال التعافي وحده.
قد يراجع الوالدان تصرفاتهما بحثا عن سبب: هل أكثرا من الأسئلة؟ هل تعرض الطفل للخوف؟ وهل كان بالإمكان تجنب ما يحدث؟ غير أن التأتأة النمائية ترتبط بتفاعل عوامل متعددة، ولا يصح اختزالها في طريقة التربية أو اعتبارها دليلا على العصبية.
ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للصمم واضطرابات التواصل الأخرى أن أسباب التأتأة وآلياتها الدقيقة لم تُفهم بالكامل، وأن للعوامل الوراثية دورا فيها. وقد حددت أبحاث اختلافات جينية مرتبطة ببعض حالات التأتأة، إلى جانب اختلافات في وظائف الدماغ لدى من يتأتئون. وهذه النتائج تدعم فهمها بوصفها حالة معقدة، دون افتراض سبب واحد يفسر جميع الحالات.
وقد تتغير شدة التأتأة بحسب الموقف، فتزداد لدى بعض الأشخاص عند الكلام أمام مجموعة، لكن اختلافها مع الضغط لا يعني أن القلق هو الذي أنشأها. لذلك، فإن لوم الطفل أو أسرته يضيف عبئا إلى تجربة الكلام دون أن يقدم مساعدة عملية.
تبدأ المساندة اليومية من طريقة الإصغاء. وتوصي المكتبة الوطنية الأميركية للطب بأن يترك الوالدان الطفل ينهي كلامه، دون مقاطعته أو إكمال جمله، مع التركيز على الفكرة التي يريد إيصالها. فحين يجد وقتا كافيا للتعبير، يقل الضغط الذي قد يشعر به لإنهاء حديثه بسرعة.
ويمكن للبالغ أن يتحدث بإيقاع أبطأ قليلا وبصورة مريحة، مع ترك فواصل طبيعية بين الجمل. كما يفيد تخصيص وقت فردي مع الطفل في جو هادئ، وإتاحة فرص للكلام دون مطالبته بالأداء أمام الآخرين، خصوصا إذا كان ذلك يزعجه أو يزيد صعوبة حديثه.
ولا يتطلب هذا تحويل كل حوار إلى تدريب على النطق. فاللعب والحديث عن تفاصيل اليوم يمنحان الطفل فرصة للمشاركة، بينما يساعد اهتمام الأسرة بما يقوله على إبقاء التواصل تجربة ممتعة. وإذا أبدى انزعاجه، يمكن الإصغاء إلى مشاعره وطمأنته بأن لديه الوقت ليكمل، دون التقليل من الصعوبة التي يشعر بها.
توصي الإرشادات الصحية عادة بتقييم الطفل لدى أخصائي النطق واللغة إذا استمرت التأتأة من ثلاثة إلى ستة أشهر، أو وُجد تاريخ عائلي للتأتأة أو اضطرابات التواصل المرتبطة بها. ويؤخذ في الاعتبار أيضا مقدار الجهد المصاحب للكلام، وتأثير الحالة في حياة الطفل وتواصله.
ولا يلزم انتظار اكتمال هذه المدة إذا بدا الطفل متوترا أثناء الحديث، أو بدأ يتجنب الكلام، أو شعرت الأسرة بقلق واضح بشأنه. ويتيح التقييم مناقشة وقت ظهور التأتأة وتغيرها والمواقف المرتبطة بها، ثم تحديد خطة تناسب احتياجاته.
توجد برامج علاجية للأطفال في سن ما قبل المدرسة، من بينها "ليدكومب"، الذي يشارك الوالدان في تطبيقه بتوجيه من أخصائي النطق واللغة. وفي تجربة عشوائية محكمة أُجريت في نيوزيلندا ونُشرت في المجلة الطبية البريطانية عام 2005، بلغ متوسط نسبة المقاطع التي حدثت فيها التأتأة بعد تسعة أشهر 1.5% لدى مجموعة العلاج، مقابل 3.9% لدى المجموعة الضابطة، بما يدعم فاعلية البرنامج لدى الأطفال المشاركين.
ويحتاج تطبيق البرنامج إلى إشراف متخصص، يحدد طريقة العمل مع الطفل ويتابع استجابته. أما داخل البيت، فتظل مساحة الحديث الآمنة جزءا أساسيا من المساندة: وقت كافٍ، وإصغاء دون استعجال، واهتمام بالحكاية التي يحاول الطفل أن يرويها