في أيار (مايو) من عام 1889، وبعد معاناة شديدة مع نوبات ذهنية حادة، اختار الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ الدخول طوعاً إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض النفسية، الواقعة في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» جنوب فرنسا. هناك، في أجواء العزلة الصارمة، عاش الفنان أكثر فترات حياته إبداعاً، حيث منحت إدارة المصحة غرفتين؛ واحدة للنوم والأخرى لتعمل كمسرح مؤقت يرسم فيه محاولاً التغلب على أعراض مرضه.
من خلف نافذته الصغيرة التي كانت تطل على حقول القمح وسماء الجنوب الواسعة، لم يستسلم فان غوخ لأوهامه، بل وظّف الطبيعة عبر فرشاته، ليكتشف اليوم أن تلك النافذة كانت بوابته لتوثيق الكون بدقة علمية لافتة.
أصبحت لوحة «ليلة النجوم» (The Starry Night) محوراً لجدل علمي وفني، بعد أن أثبت خبراء الفلك حقيقة غير متوقعة تغيّر النظريات التاريخية حول عبقرية الفنان.
طوال أكثر من قرن ونصف، افترض نقاد الفن أن الدوامات والنجوم المتوهجة في اللوحة هي نتاج هلوسات بصرية أو خيال محض تغذاه الاضطراب النفسي والعزلة.
لكن الأدلة العلمية الحديثة أثبتت العكس، مؤكدة أن ما رسمه فان غوخ كان توثيقاً فلكياً دقيقاً لحركة الأجرام السماوية كما ظهرت في ليلة حقيقية، وليس بناءً على الخيال.
تزداد أهمية هذه الدقة الدرامية، إذ تشير السجلات التاريخية إلى أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج ليلاً خوفاً من انتكاسة صحية أو نوبات صرع، مما يعني أنه كان يقضي ساعات في مراقبة المشهد من خلف قضبان زنزانته، ثم يرسمه نهاراً من ذاكرته البصرية بدقة هندسية تفوق تلسكوبات عصره.
رأى النقاد دائماً في الأشكال الحلزونية انعكاساً للاضطراب النفسي أو الصرع، لكن دراسة حديثة نشرتها مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) أعادت الاعتبار لعقل الفنان، حيث أظهرت المحاكاة الفلكية أنه كان يرسم بوعي شديد، عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر 22 تموز (يوليو) 1889.
لم يكن هذا التوافق الكوني صدفة، بل وثقه الفنان في رسائله المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، حيث وصف المشهد الفجري قبل رسم اللوحة بأسابيع قائلاً: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، والتي ثبتت لاحقاً أنها كوكب الزهرة في موقعه الفلكي الدقيق.
في ذلك التوقيت، كانت سماء ما قبل الفجر فوق سان ريمي متطابقة تماماً مع تكوين اللوحة، حيث يظهر هلال متضائل، وكوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي كانت متقاربة في الفضاء في تلك اللحظة التاريخية.
امتد التطابق ليشمل تفاصيل هندسية دقيقة، إذ أكد التحليل البصري تطابقاً علمياً قاطعاً بين 5 نجوم مركزية في اللوحة وعنقود «القلائص» الذي يشكل جزءاً رئيسياً من كوكبة الثور.
أظهرت المقارنات العلمية أن فان غوخ وضع هندسياً القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران ومجموعة هياديس النجمية، بما في ذلك النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، وإبسيلون توري.
يبقى اللغز الأكبر في الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة، حيث يرجح بعض الأطباء أن العقاقير التي كان يتناولها، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب أعراضاً بصرية تجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، مما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين الحقيقة الفلكية والرؤية البصرية تحت تأثير العلاج.
تعتمد القيمة العلمية لهذا الاكتشاف على البيانات المرجعية المتقدمة من مسح السماء الرقمي الثاني (Digitized Sky Survey 2)، الموثقة من قبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA).
قدم هذا المسح الرقمي دليلاً قاطعاً على أن التوزيع النجمي في اللوحة لم يكن عشوائياً، بل كان تجسيداً عبقرياً لمواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان من خلف قضبان المصحة.
بعد دخوله المصحة عام 1889، غادرها فان غوخ في أيار (مايو) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي في تموز (يوليو) 1890، تاركاً خلفه تحفة فنية خالدة تشهد على أن العبقرية الصارمة يمكن أن تولد من عتمة المعاناة.