كان كين شرايبر في التاسعة من عمره حين تابع عبر التلفزيون نيل أرمسترونغ وهو يخطو خطواته الأولى على سطح القمر عام 1969. لم يكن يعلم آنذاك أن تلك اللحظة ستترك أثرا يمتد عقودا، وأنه سيجد نفسه يوما أمام فرصة للحفاظ على جزء من حياة الرجل الذي ألهمه.
فبعد أن علم شرايبر، وهو طيار عسكري متقاعد، أن منزل طفولة أرمسترونغ في ولاية أوهايو الأمريكية معروض للبيع، قرر شراء المنزل والحفاظ عليه، خشية أن يفقد المكان الذي شهد بدايات رائد الفضاء الشهير رمزيته وتضيع تفاصيله. وقدّم 400 ألف دولار لتمكين جمعية تاريخية محلية من اقتناء المنزل، في خطوة تفتح الطريق أمام ترميمه وإتاحته للزوار.
وأُنجزت عملية البيع في 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لتنتقل ملكية المنزل إلى جمعية مقاطعة أوغلايز التاريخية، التي تعتزم إعادته إلى الهيئة التي كان عليها في أربعينيات القرن الماضي، عندما عاش فيه أرمسترونغ مع أسرته.
لم يكن إعجاب شرايبر بأرمسترونغ عابرا. فقد اختار مسارا مهنيا قاده هو الآخر إلى عالم الطيران؛ إذ أمضى 20 عاما في سلاح الجو الأمريكي عمل خلالها طيارا مقاتلا، ثم عمل طيارا لدى شركة "أمريكان إيرلاينز" حتى تقاعد.
وعندما علم في أغسطس/آب الماضي أن منزل أرمسترونغ معروض للبيع، بدأ يفكر في كيفية المساهمة في الحفاظ عليه. وتواصل في البداية مع أصدقاء لاستطلاع إمكانية جمع تبرعات لشرائه، لكنه انتهى إلى تقديم المبلغ كاملا من ماله الخاص.
وقال شرايبر، في تصريحات نقلتها وكالة أسوشيتد برس، إنه شعر بأن على شخص ما أن يبادر إلى اتخاذ الخطوة اللازمة للحفاظ على المنزل. واستعاد في هذا السياق نصيحة والده له بأن يترك أثرا في الحياة.
وكان شرايبر قد زار المنزل في الصيف الماضي، وقال إن وجوده داخله منحه إحساسا بأنه يستطيع تخيل أرمسترونغ وهو يتحرك بين غرفه ودرجاته.
يقع المنزل المؤلف من طابقين في مدينة واباكونيتا بولاية أوهايو، واشترته عائلة أرمسترونغ عام 1944. وفيه ظهرت ملامح اهتمام رائد الفضاء بالطيران؛ إذ صنع نماذج لطائرات في غرفة الطعام، وأنشأ نفقا هوائيا في القبو لاختبار تصميماته.
وأثناء إقامته في المنزل، أجرى أرمسترونغ تجارب على نماذجه، كما قام بأول رحلة طيران منفردة له وحصل على رخصة الطيران عندما كان في السادسة عشرة من عمره، ثم أصبح عام 1969 أول إنسان يمشي على سطح القمر ضمن مهمة "أبولو 11".
ولم يُتح المنزل حتى الآن للجمهور من الداخل، رغم أن زوار متحف أرمسترونغ للطيران والفضاء القريب اعتادوا التوقف عنده ومشاهدته من الخارج.
وقد اشترت كارين ميكسيل، وهي معلمة تاريخ متقاعدة، المنزل عام 1988، وحرصت خلال امتلاكها له على الحفاظ على صلته بعائلة أرمسترونغ. واستضافت فيه تسعة رواد فضاء، من بينهم باز ألدرين، الذي رافق أرمسترونغ في رحلة "أبولو 11".
وتذكرت ميكسيل زيارة ألدرين للمنزل بعد وفاة أرمسترونغ عام 2012، حين دخل غرفة نوم رفيقه السابقة وذرف الدموع.
تعتزم جمعية مقاطعة أوغلايز التاريخية ترميم المنزل وإعادته إلى مظهره في أربعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت نشأة اهتمام أرمسترونغ بالطيران. كما تأمل أن تفتح أبوابه أمام الزوار بحلول عام 2030، بالتزامن مع الذكرى المئوية لميلاده.
وتعمل الجمعية حاليا على دراسة تفاصيل الترميم، والتواصل مع الجهات المحلية لجمع الدعم اللازم لتغطية تكاليف الإصلاح والصيانة.
وبالنسبة إلى شرايبر، لم يكن الحفاظ على المنزل مجرد شراء عقار قديم، بل فرصة لصون مكان ارتبط ببدايات رجل ألهمه منذ طفولته. فالمكان الذي شهد تجارب أرمسترونغ الأولى في الطيران قد يصبح قريبا متاحا أمام أجيال جديدة، لتتعرف من خلاله جانبا من حياته قبل أن يصبح اسمه مرتبطا بأول خطوة بشرية على سطح القمر.