كانت الثواني الأخيرة من مباراة تينيريفي وأندورا في دوري الدرجة الثانية الإسباني كافية لتحويل مواجهة كروية عادية إلى مأساة. اندفع الحارس خيسوس أوونو نحو كرة طويلة محاولا إبعادها، لكن ركبته اصطدمت بصدر مهاجم الفريق المنافس خيسوس دي ميغيل، الذي سقط أرضا أمام زملائه والجماهير، قبل أن تتوقف المباراة وتبدأ محاولات إنقاذ حياته.
نجح الطاقم الطبي في إنعاش اللاعب، الذي تعرض لتوقف القلب والتنفس، ونقله إلى المستشفى، لكن حالته تدهورت خلال الساعات التالية. وفي صباح الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أعلن تينيريفي وفاة مهاجمه البالغ 30 عاما.
أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه أوونو، غير أن قرار الطرد لا يجيب عن السؤال الأصعب الذي أعاد الحادث طرحه. هل يمكن أن يتحول تدخل في مباراة لكرة القدم إلى جريمة يعاقب عليها القانون، حتى لو كان هدف اللاعب الوصول إلى الكرة؟
ليس السؤال جديدا على الرياضة، فقد سبق أن واجه لاعبون اتهامات بالقتل غير العمد بعدما انتهت تدخلاتهم بوفاة منافسيهم. بعضهم أدانته المحاكم، وبعضهم خرج منها بريئا، بينما لم تصل قضايا أخرى إلى القضاء الجنائي رغم فداحة نتائجها.
وتكشف سبع وقائع من تاريخ كرة القدم والرغبي وهوكي الجليد كيف اختلفت الأحكام باختلاف ظروف الحوادث، ومدى ثبوت الاعتداء أو الإهمال، والحدود التي رسمها القضاء بين المخاطر المقبولة للمنافسة والمسؤولية عن إزهاق حياة إنسان.
من بين تلك الوقائع، تبدو قصة المهاجم الإندونيسي أكلي فيروز الأقرب إلى حادثة تينيريفي، بعدما انتهت محاولة حارس مرمى لإبعاد الكرة بوفاة مهاجم الفريق المنافس.
في العاشر من مايو/أيار 2014، واجه "بيرسيراجا باندا آتشيه" فريق "بي إس إيه بي سيغلي" في دوري الدرجة الثانية الإندونيسي. وخلال إحدى الهجمات، اندفع فيروز نحو كرة مرتدة داخل منطقة الجزاء، بينما حاول الحارس أغوس رحمن اعتراضها.
لكن رحمن رفع قدمه عاليا، فأصاب المهاجم في بطنه بقوة، ليسقط الأخير على أرض الملعب متألما.
ورغم خطورة الاصطدام، لم تبدُ الإصابة قاتلة في لحظاتها الأولى. تلقى فيروز إسعافات أولية وغادر الملعب، ثم جلس على مقاعد البدلاء لمتابعة بقية المباراة، قبل أن تتفاقم آلامه وينقل إلى المستشفى.
وهناك اكتشف الأطباء إصابات داخلية خطيرة، وفشلت محاولات إنقاذه، ليفارق الحياة في 16 مايو/أيار، بعد 6 أيام من التدخل، عن عمر 27 عاما.
وأثار الحادث غضبا واسعا في الأوساط الرياضية الإندونيسية، خصوصا بعدما فتح الاتحاد المحلي تحقيقا في ملابساته، بما فيها طبيعة تدخل الحارس وسرعة الاستجابة الطبية.
وفي الثاني من يونيو/حزيران، أعلن اتحاد آسيان لكرة القدم قرار لجنة الانضباط في الاتحاد الإندونيسي إيقاف رحمن لمدة عام عن جميع الأنشطة الكروية.
ولم تكتف اللجنة بالإشارة إلى النتيجة المأساوية، بل فحصت الطريقة التي تحرك بها الحارس نحو الكرة.
وقال رئيسها هينكا باندجايتان إن رحمن رفع قدمه إلى مستوى بطن منافسه، رغم وجود الكرة على الأرض، مشيرا إلى أن الحكم المساعد كان قد أشار إلى التسلل قبل وقوع الاصطدام.
واعتبرت اللجنة أن التدخل كان يمكن تجنبه، وأن الحارس استخدم طريقة فنية غير مشروعة في محاولة قطع الكرة.
لكن القرار ظل في نطاق العقوبات الرياضية. فلم أجد في المصادر القضائية والصحفية المتاحة حكما جنائيا منشورا بإدانة الحارس أو تبرئته.
وهكذا انتهت إحدى أقرب الوقائع شبها بحادثة أوونو إلى عقوبة إيقاف لمدة عام، دون أن تثبت في المصادر المتاحة إدانة جنائية بحق الحارس.
وإذا كانت واقعة إندونيسيا قد كشفت حدود سلطة الاتحادات الرياضية، فإن المحاكم الإنجليزية واجهت السؤال نفسه قبل نحو قرن ونصف القرن، في وقت كانت فيه كرة القدم الحديثة لا تزال ترسم قواعدها وتحدد طبيعة الاحتكاك المسموح به.
في 27 فبراير/شباط 1878، التقى فريقا آشبي دي لا زوش وكولفيل في مباراة محلية بإنجلترا، حين انطلق هربرت دوكرتي بالكرة نحو مرمى منافسه، ليجد المدافع وليام برادشو يندفع نحوه محاولا اعتراضه.
نجح دوكرتي في تمرير الكرة إلى جانب المدافع، لكن برادشو قفز باتجاهه وركبته مرفوعة، فأصابه في بطنه وأسقطه أرضا.
كانت الضربة أشد خطورة مما بدا في الملعب. فقد أصيب دوكرتي بتمزق داخلي، وتوفي في اليوم التالي، لتتحول المباراة إلى قضية جنائية اتُّهم فيها برادشو بالقتل غير العمد.
وبحسب الوثائق التاريخية التي حفظت تفاصيل المحاكمة، اختلف الشهود حول طبيعة التدخل، لكن بعضهم اعتبره بعيدا عن الالتحامات المعتادة في كرة القدم.
وكان على هيئة المحلفين أن تحسم مسألة تتجاوز الواقعة نفسها. فهل يقبل اللاعب، بمجرد دخوله الملعب، احتمال التعرض لأي إصابة نتيجة احتكاك منافسيه؟ وهل تعفي قوانين اللعبة مرتكب التدخل من المسؤولية إذا أفضى إلى الوفاة؟
أوضح القاضي أن الالتزام بقواعد الرياضة قد يساعد في إثبات غياب النية العدوانية، لكنه لا يمنح اللاعب حصانة من القانون الجنائي.
فإذا تعمد إلحاق أذى جسيم بمنافسه، أو أدرك أن تصرفه ينطوي على خطر جسيم وتعامل معه بتهور، فقد يصبح مسؤولا جنائيا عن نتائجه.
وبعد سماع الأدلة، انتهت هيئة المحلفين إلى تبرئة برادشو من تهمة القتل غير العمد.
وأصبحت القضية، المعروفة في التاريخ القانوني الإنجليزي باسم "الملكة ضد برادشو"، إحدى السوابق المبكرة التي استعان بها الباحثون والمحاكم لفهم حدود المسؤولية الجنائية في الرياضات الجماعية.
لكن تلك البراءة لم ترسخ قاعدة تعفي اللاعبين من المسؤولية عن جميع التدخلات القاتلة. فقد شهدت كرة القدم الإنجليزية، بعد أقل من 20 عاما، قضية انتهت بحكم مختلف.
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1897، كان جون بريغز، مهاجم آيلستون يونايتد، يقود هجمة خلال مباراة أمام إندربي غرانيت، عندما راوغ المدافع هنري مور وتقدم باتجاه المرمى.
أرسل بريغز الكرة نحو الشباك، بينما واصل مور مطاردته، ثم قفز خلفه ورفع ركبته لتصيب ظهره بقوة.
اندفع المهاجم إلى الأمام واصطدم بركبة حارس المرمى، الذي كان قد خرج لإبعاد الكرة، ثم سقط على الأرض يتلوى ألما.
ونقل بريغز إلى منزله، لكنه توفي بعد أسبوع متأثرا بإصاباته الداخلية.
ومثلما حدث في قضية برادشو، انتقل النزاع من الملعب إلى المحكمة، وواجه مور اتهاما بالقتل غير العمد.
غير أن هيئة المحلفين توصلت هذه المرة إلى نتيجة مغايرة، بعدما اقتنعت بأن المدافع استخدم قوة غير مبررة أثناء محاولة إيقاف منافسه.
وأوضح القاضي أن كرة القدم قد تكون لعبة خشنة، لكنها لا تبيح استخدام قوة يرجح أن تسبب إصابة خطيرة للاعب آخر.
وأدانت المحكمة مور بالقتل غير العمد، لتصبح القضية إحدى أبرز السوابق التاريخية التي انتهت بإدانة لاعب بسبب تدخل وقع أثناء المنافسة على الكرة.
ومع ذلك، لم يُودع المدافع السجن، فوفق الوثائق التي جمعها أرشيف "ليسترشير" لكرة القدم، أخذت المحكمة في الاعتبار ندمه وسيرته السابقة، وأفرجت عنه بعد إلزامه بتعهد مالي مقداره 50 شلنا، دون فرض عقوبة حبس فعلية.
وكانت المفارقة أن مأساة النادي لم تنته عند بريغز. فبعد نحو 3 أشهر، توفي لاعب آخر من آيلستون يونايتد يدعى إرنست فيزي، إثر إصابة تعرض لها خلال مباراة أمام أول سينتس. لكن التحقيق الثاني انتهى إلى اعتبار الوفاة عرضية، على خلاف الإدانة التي صدرت في قضية مور.
وهكذا شهد النادي الإنجليزي وفاتين خلال أشهر قليلة، لكن السلطات خلصت إلى نتيجتين قانونيتين مختلفتين، إدانة جنائية في الأولى، ووفاة عرضية في الثانية.
وبعد أكثر من قرن على تلك الأحكام، عادت المحاكم الألمانية إلى مواجهة قضية وفاة لاعب كرة قدم، لكن ظروفها كانت مختلفة جذريا، إذ لم تقع الإصابة أثناء محاولة لعب الكرة، وإنما خلال مشاجرة أعقبت مباراة للناشئين.
في 28 مايو/أيار 2023، استضافت مدينة فرانكفورت بطولة دولية للشباب، شارك فيها فريق جيه إف سي برلين الألماني وفريق تابع لبرنامج تطوير المواهب بنادي ميتز الفرنسي.
وبعد مباراة جمعت الفريقين، اندلع شجار بين عدد من اللاعبين، وتلقى اللاعب الألماني بول، البالغ 15 عاما، ضربة قوية في منطقة الرأس والعنق من منافس فرنسي كان يبلغ 16 عاما.
سقط بول أرضا، ونقل إلى المستشفى مصابا بأضرار دماغية بالغة، قبل إعلان وفاته بعد 3 أيام.
وألقت الشرطة القبض على اللاعب الفرنسي، وأودعته الحبس الاحتياطي، ثم أحيل إلى محكمة مختصة بالأحداث في فرانكفورت.
وخلال المحاكمة، اختلفت الأطراف بشأن ظروف الاشتباك والمسؤولية عن الضربة القاتلة، بينما طالب الادعاء العام بفرض عقوبة احتجاز للأحداث مدتها عامان و3 أشهر دون وقف التنفيذ.
وفي السابع من مارس/آذار 2024، أدانت المحكمة اللاعب، الذي كان قد بلغ 17 عاما، بالاعتداء العمد والتسبب في الوفاة نتيجة الاعتداء، وحكمت عليه بعقوبة احتجاز للأحداث مدتها عامان مع وقف التنفيذ.
وأمرت المحكمة بإطلاق سراحه بعدما قضى نحو 10 أشهر رهن الحبس الاحتياطي، مع إلزامه بمتطلبات رقابية خلال فترة وقف التنفيذ.
وكان الفارق بين هذه القضية وسوابق التدخلات أثناء اللعب جوهريا. فالضربة وقعت في مشاجرة بعد انتهاء المنافسة، وهو ما جعل القضية أقرب إلى الاعتداء الجسدي المفضي إلى الوفاة، بعيدا عن المخاطر المعتادة لمحاولة الوصول إلى الكرة.
لم يقتصر الجدل بشأن المسؤولية عن الوفيات الرياضية على كرة القدم، إذ خاض القضاء البريطاني نقاشا مشابها في رياضة الرغبي، التي تسمح قوانينها بدرجة أكبر من الالتحام الجسدي.
في 13 مارس/آذار 1993، التقى فريقا سنتورز وهيندون الإنجليزيان في مباراة اتسمت بالتوتر والاحتكاكات المتكررة. وخلال إحدى المشاحنات، وجه لاعب سنتورز وليام هاردي لكمة إلى فك منافسه شيموس لافيل، فسقط الأخير إلى الخلف وارتطم رأسه بالأرض.
فقد لافيل وعيه، ونقل إلى المستشفى مصابا بإصابة دماغية خطيرة، قبل أن يفارق الحياة بعد يومين. واجه هاردي اتهاما بالقتل غير العمد، وأحيل إلى المحكمة الجنائية المركزية في لندن، المعروفة باسم "أولد بيلي".
ولم ينكر اللاعب توجيه اللكمة، لكنه قدم رواية مختلفة عن تلك التي عرضها الادعاء. فقد أكد أنه تعرض للضرب خلال الاشتباك، وأنه وجه اللكمة دفاعا عن نفسه بعدما اعتقد أن منافسه سيواصل الاعتداء عليه.
أما الادعاء، فاعتبر الضربة اعتداء متعمدا وغير مشروع، وأنها أدت مباشرة إلى سقوط لافيل ووفاته.
وبعد النظر في الشهادات والأدلة، انتهت المحاكمة في 25 يوليو/تموز 1994 إلى براءة هاردي من تهمة القتل غير العمد. ورغم نجاته من الإدانة، لم يتعامل اللاعب مع الحكم باعتباره نهاية سعيدة.
فقد نقلت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عنه عقب خروجه من المحكمة قوله إنه يشعر بالارتياح للبراءة، لكنه سيظل حزينا على وفاة منافسه، مؤكدا أن معاناة أسرة الضحية أكبر بكثير مما مر به هو وعائلته.
وأظهرت القضية أن ثبوت توجيه ضربة قاتلة لا يكفي وحده لإدانة صاحبها، إذا اقتنعت المحكمة بتوافر ظروف قانونية تبرر تصرفه، مثل الدفاع المشروع عن النفس.
لكن الملاعب عرفت أيضا حوادث رفض القضاء فيها الاكتفاء بأن العنف وقع خلال منافسة رياضية، واعتبر أن اللاعب تجاوز الحدود التي تسمح بها اللعبة.
في 14 يناير/كانون الثاني 1992، التقى فريقا كورماوستا وغاردينا في دوري الدرجة الثانية الإيطالي لهوكي الجليد، في مباراة لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى قضية جنائية تستمر سنوات.
وخلال الشوط الثاني، احتك جاشينتو "جيمي" بوني، قائد كورماوستا، بالمدافع الشاب ميران شروت، البالغ 19 عاما.
وتصاعد الاحتكاك عندما وجه شروت لكمة إلى منافسه، فرد بوني بضربة عنيفة بكلتا يديه مستخدما عصا الهوكي، أصابت صدر اللاعب الشاب.
سقط شروت على الجليد، وهرعت الأطقم الطبية لمحاولة إنقاذه، قبل نقله بسيارة إسعاف إلى مستشفى شاموني الفرنسية عبر نفق مون بلان.
لكن التدخل الطبي لم ينجح في إنقاذه، وأعلن الأطباء وفاته في الليلة نفسها.
وكانت المباراة تشهد وجود فريق تصوير تلفزيوني تابع لهيئة الإذاعة الإيطالية، التقط بكاميرته الاشتباك الذي انتهى بالضربة القاتلة.
وأصبحت تلك الصور من الأدلة التي اعتمدت عليها السلطات القضائية في التحقيق.
وبينما اتخذ الاتحاد الإيطالي لهوكي الجليد إجراءات تأديبية بحق بوني، فتحت النيابة تحقيقا جنائيا انتهى بإحالته إلى المحكمة.
وخلال المحاكمة، دافعت هيئة بوني عن أن ما حدث وقع في سياق احتكاك رياضي، وأن اللاعب لم يقصد قتل منافسه أو إصابته إصابة قاتلة.
وفي 17 فبراير/شباط 1994، أدانت محكمة في أوستا بوني بتهمة القتل غير العمد الناجم عن الإهمال، وحكمت عليه بالسجن لمدة 3 أشهر.
غير أن عقوبة الحبس لم تنفذ، إذ استبدلتها المحكمة بغرامة مالية قدرها مليونان و250 ألف ليرة إيطالية.
أي انتهت القضية بإدانة جنائية وعقوبة مالية، رغم أن اللاعب لم يكن يقصد، بحسب التوصيف القضائي، إزهاق حياة منافسه.
وبقيت وفاة شروت واحدة من أكثر الحوادث رسوخا في ذاكرة هوكي الجليد الإيطالية، خصوصا في منطقة فال غاردينا التي ينتمي إليها اللاعب، حيث استمر إحياء ذكراه بعد مرور عقود على الحادث.
وإذا كانت حادثة شروت انتهت بإدانة لاعب هوكي، فإن مأساة أخرى شهدتها الرياضة نفسها بعد 31 عاما انتهت بقرار مختلف، رغم أن السلطات باشرت تحقيقا جنائيا مطولا.
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان الأمريكي آدم جونسون، لاعب نوتنغهام بانثرز الإنجليزي، يشارك في مباراة أمام شيفيلد ستيلرز، عندما وقع احتكاك مع المدافع الكندي مات بيتغريف.
وخلال الحركة، ارتفعت قدم بيتغريف، فأصابت شفرة حذاء التزلج رَقبة جونسون وأحدثت جرحا بالغا.
سقط اللاعب الأمريكي على أرضية الجليد، وتوقفت المباراة أمام آلاف المتفرجين، بينما حاول الطاقم الطبي وقف النزيف وإنقاذ حياته.
ونقل جونسون إلى المستشفى، لكن إصابته كانت قاتلة، وأعلن الأطباء وفاته عن عمر 29 عاما.
وأثارت المشاهد الصادمة للواقعة نقاشا واسعا حول طبيعة الحركة التي قام بها بيتغريف، وما إذا كانت نتيجة اصطدام غير مقصود أم تصرفا ينطوي على إهمال يستوجب المساءلة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ألقت شرطة جنوب يوركشاير القبض على مشتبه به للاشتباه في القتل غير العمد، ثم أطلقت سراحه بشروط، في إطار تحقيق استمر نحو 18 شهرا.
وكان بيتغريف قد أعلن لاحقا أنه اللاعب الخاضع للتحقيق، وطلب مساعدات مالية لتغطية نفقات الدفاع القانوني.
لكن مسار القضية انتهى قبل الوصول إلى المحكمة. ففي 29 أبريل/نيسان 2025، أعلنت النيابة العامة البريطانية أنها لن توجه أي اتهام جنائي إلى بيتغريف.
وأوضح نائب رئيس الادعاء مايكل كوين أن السلطات راجعت الأدلة التي جمعتها الشرطة، وخلصت إلى عدم وجود احتمال واقعي للإدانة بأي جريمة.
والفارق هنا دقيق ومهم، إذ لم تصدر المحكمة حكما ببراءة بيتغريف، لأنه لم يُحاكم أصلا، وإنما قررت النيابة عدم إقامة الدعوى الجنائية.
وفي مقابل غياب الإدانة، تركت وفاة جونسون أثرا واضحا في لوائح السلامة.
فأعلن الاتحاد الدولي لهوكي الجليد في ديسمبر/كانون الأول 2023 إلزام اللاعبين بارتداء واقيات للرقبة في مسابقاته، ضمن إجراءات تهدف إلى الحد من الإصابات القاتلة الناجمة عن شفرات أحذية التزلج.
وبذلك انتهت واحدة من أشهر حوادث الوفاة في هوكي الجليد الحديث دون ملاحقة جنائية، لكنها دفعت المؤسسات الرياضية إلى تغيير إجراءات الحماية داخل الملاعب.
تكشف القضايا السبع أن الملاعب لا تمنح اللاعبين حصانة من القانون الجنائي، لكنها في الوقت نفسه لا تجعلهم مسؤولين تلقائيا عن كل إصابة قاتلة تقع خلال المنافسة.
ففي إنجلترا، خرج وليام برادشو بريئا بعد تدخل أودى بحياة منافسه عام 1878، بينما أدانت محكمة أخرى هنري مور في قضية مشابهة بعد أقل من 20 عاما.
وفي إندونيسيا، انتهت واقعة وفاة أكلي فيروز بعقوبة إيقاف رياضي لمدة عام بحق الحارس أغوس رحمن، دون العثور على حكم جنائي منشور، بينما انتهت قضية فرانكفورت بإدانة لاعب ناشئ وعقوبة احتجاز مع وقف التنفيذ، بعدما ثبت أن الوفاة نتجت عن اعتداء خلال مشاجرة.
وامتد اختلاف الأحكام إلى الرياضات الأخرى، إذ برأت محكمة بريطانية لاعب رغبي دافع بأنه تصرف لحماية نفسه، وأدانت محكمة إيطالية لاعب هوكي بالقتل غير العمد، فيما أنهت النيابة البريطانية التحقيق في وفاة آدم جونسون دون توجيه اتهام إلى منافسه.
ويكشف اختلاف هذه النتائج أن القضاء لا ينظر إلى الوفاة وحدها، وإنما يدرس الظروف التي أدت إليها، وطبيعة التصرف الذي ارتكبه اللاعب، وما إذا كان جزءا من المنافسة المشروعة أو تجاوز حدودها.
ويشمل ذلك التحقق من توافر نية الاعتداء أو الإهمال الجسيم، ومدى ارتباط التصرف بالإصابة القاتلة، وما إذا كان اللاعب قد اتخذ الاحتياطات التي يفرضها عليه القانون.
وفي إسبانيا، تنص المادة 142 من قانون العقوبات على السجن من سنة إلى 4 سنوات لمن يتسبب في وفاة شخص نتيجة إهمال جسيم، لكن تطبيق النص يتوقف على إثبات أركان الجريمة، ولا يكفي مجرد وقوع الوفاة أو ارتكاب مخالفة رياضية.
ولذلك، فإن البطاقة الحمراء التي تلقاها خيسوس أوونو في مواجهة تينيريفي لا تعني بالضرورة أنه ارتكب جريمة، مثلما لا تعفيه طبيعة المنافسة من المساءلة إذا كشفت التحقيقات عن تصرف يستوجبها.
وسيكون تحديد المسؤولية، إذا فُتح تحقيق جنائي، رهنا بتقييم الأدلة الطبية والفنية وشهادات الحاضرين، ثم بتقدير الجهات القضائية المختصة.
وبين حكم براءة صدر قبل نحو قرن ونصف القرن، وإدانة أفضت إلى غرامة، وتحقيق استمر 18 شهرا وانتهى دون اتهام، يظل مصير أوونو مفتوحا على السؤال الذي طرحته هذه السوابق جميعا، أين تنتهي المخاطرة التي يقبلها اللاعب عند دخول الملعب، وأين تبدأ مسؤوليته الجنائية عن حياة منافسه؟