تسبب الانتشار الكثيف لحشرة صرصور الحقل الأسود في عدد من قرى ريف الحسكة الجنوبي خلال الأيام الأخيرة بحالة من الإزعاج والقلق بين السكان، بعد دخول أعداد كبيرة منها إلى المنازل، وسط مطالبات للجهات المعنية بالتدخل وتنظيم حملات لمكافحتها، بالتزامن مع تحذيرات من استخدام المبيدات الحشرية بصورة عشوائية.
وقال سكان من قرى متضررة لعنب بلدي، إن الحشرة انتشرت بأعداد كبيرة في محيط منازلهم وداخلها، ما دفعهم إلى استخدام وسائل مكافحة منزلية، في ظل صعوبة التعامل مع أعدادها المتزايدة، ولا سيما مع استمرار ظهورها في المناطق السكنية والزراعية.
وأوضح محمد عبد الله، من قرية جرمز، أن أعداد صراصير الحقل ازدادت بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، مشيرًا إلى أنها باتت تدخل المنازل وأماكن النوم وتنتشر في مختلف أرجائها.
وأضاف عبد الله أن انتشار الحشرة تجاوز، بحسب وصفه، الحدود التي يمكن للسكان التعامل معها بإمكاناتهم الفردية، مطالبًا الجهات المعنية بتنظيم حملة واسعة لمكافحتها والحد من وصولها إلى المنازل.
من جهته، قال حامد العلي، من قرية العزاوي، إن كثافة الحشرات أثارت خوف الأطفال في القرية، ما دفع الأهالي إلى محاولة طمأنتهم والتأكيد لهم أن هذه الحشرات صغيرة ولا تسبب الأذى المباشر.
وأوضح العلي أن أسرته تستخدم مسحوق “الهالك”، المخصص لمكافحة الصراصير والنمل، في محيط المنزل وعند عتبات الأبواب، مضيفًا أن هذه الطريقة ساعدتهم على الحد من دخول أعداد كبيرة من الحشرات إلى المنزل.
أما شهاب الحمد، من قرية العلوة، فأشار إلى أن السكان يحاولون مكافحة الحشرة باستخدام مساحيق المبيدات المتداولة، لكن الأعداد الكبيرة جعلت هذه المحاولات محدودة الفاعلية.
وأضاف الحمد أن المشكلة لا تقتصر على انتشار الحشرات داخل المنازل، بل تشمل الروائح الكريهة التي تطلقها، مطالبًا الجهات الحكومية بمساعدة الأهالي أو تقديم إرشادات واضحة حول الطرق المناسبة للتعامل معها، في ظل عدم جدوى وسائل المكافحة المنزلية أمام كثافتها.
أسباب الانتشار وتأثيره الزراعي
يربط المهندس الزراعي حسن حميد، في حديث إلى عنب بلدي، الانتشار الكثيف لصرصور الحقل الأسود في مناطق من ريف الحسكة الجنوبي بالتغيرات المناخية وهطول الأمطار خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن هذه الظروف قد تكون ساهمت في تهيئة بيئة مناسبة لنشاط الحشرة وخروجها من مخابئها داخل التربة، ولا سيما مع اعتدال درجات الحرارة خلال هذه الفترة.
وأشار حميد إلى أن ظهور الحشرة بأعداد كبيرة في نهاية تشرين الأول وبداية تشرين الثاني لا يعني بالضرورة حدوث تكاثر استثنائي، إذ تتأثر دورة حياة كثير من الحشرات الزراعية بالتغيرات الموسمية، خصوصًا توافر الرطوبة ودرجات الحرارة الملائمة.
ولفت إلى أن تحديد أسباب الانتشار بصورة دقيقة يتطلب أولًا معرفة النوع العلمي للحشرة، ومراقبة مراحل نموها وطبيعة انتشارها، موضحًا أن المظهر الخارجي وحده لا يكفي لتحديد سلوكها أو تقدير حجم الأضرار التي يمكن أن تسببها.
وتتجاوز أهمية متابعة انتشار الحشرة، وفق المهندس الزراعي، الجانب المتعلق بإزعاج السكان، لتشمل احتمال تأثير بعض أنواع حشرات الحقل في البذور والبادرات الزراعية، بالتزامن مع بدء موسم زراعة القمح والشعير في المنطقة.
وأوضح حميد أن هذه المرحلة تستدعي متابعة وجود الحشرة داخل الأراضي الزراعية، والتحقق مما إذا كانت تتغذى على البذور أو البادرات، وتحديد طبيعة الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمحاصيل، بدلًا من الاكتفاء بمراقبة انتشارها في التجمعات السكنية.
وأضاف أن تقييم الأضرار الزراعية يتطلب مراقبة ميدانية للأراضي التي ظهرت فيها الحشرة، وتحديد كثافتها ومناطق تجمعها، قبل اتخاذ أي إجراءات للمكافحة، مشددًا على ضرورة اختيار الوسائل المناسبة وفق النوع الحشري ودرجة الضرر الفعلي.
وحذر حميد من الاعتماد على الرش العشوائي للمبيدات الحشرية، لما قد يترتب عليه من أضرار تطال الحشرات النافعة وتؤثر في التوازن البيئي، داعيًا إلى إجراء مسح ميداني لتحديد أماكن الانتشار واختيار أساليب المكافحة الملائمة.
ونصح المزارعين بالتواصل مع الوحدات الإرشادية الزراعية والإبلاغ عن أي زيادة ملحوظة في أعداد الحشرة داخل الأراضي المزروعة، حتى تتمكن الجهات المختصة من تقييم الحالة وتحديد التدابير اللازمة في الوقت المناسب، خصوصًا مع انطلاق موسم زراعة المحاصيل الشتوية.
إرشادات زراعية وحكومية للحد من الانتشار
وفي سياق الاستجابة للانتشار، قال مدير الزراعة في الحسكة، هايل الكلش، لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن المديرية، عبر دائرة الإرشاد الزراعي، أصدرت نشرة توعوية على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، موجهة إلى سكان قرى ريف الحسكة الجنوبي، بعد تسجيل أعداد كبيرة من صرصور الحقل الأسود في مناطقهم عقب هطول الأمطار الأخيرة.
وأوضح الكلش أن النشرة تتضمن إرشادات للوقاية ومكافحة الحشرة، مشيرًا إلى أن أضرارها تقتصر على الإزعاج وإتلاف بعض المواد عند انتشارها بأعداد كبيرة.
ودعا سكان المناطق المتضررة إلى إطفاء الأنوار الخارجية للمنازل والمحلات التجارية خلال الليل، لتجنب جذب الحشرات، إلى جانب تأمين منافذ المنازل وتركيب المناخل عليها، وسد الشقوق وفتحات الصرف الصحي التي يمكن أن تشكل منافذ لدخولها.
كما تضمنت الإرشادات ضرورة التخلص من القمامة وتنظيف الأحواش، وإزالة الأخشاب والمخلفات وتجمعات الحشائش الجافة المحيطة بالمنازل، باعتبارها أماكن يمكن أن توفر للحشرات مأوى مناسبًا.
وحذر الكلش من استخدام المبيدات القوية بصورة عشوائية، ولا سيما داخل الغرف المغلقة، تفاديًا لحدوث حالات اختناق أو التعرض لأضرار صحية نتيجة استنشاق المواد الكيميائية.
وعلى المستوى الزراعي، دعا مدير الزراعة إلى اتخاذ إجراءات حقلية للحد من انتشار الحشرة، من بينها الحراثة السطحية وجمع بقايا المحاصيل والمخلفات النباتية والتخلص منها، لمنع توفير مصادر الغذاء والمأوى للحشرات.
وشملت التدابير الموصى بها حراثة الأراضي البور والمساحات المحيطة بالقرى، بهدف تعريض البيوض واليرقات لأشعة الشمس والأعداء الطبيعيين، بما يسهم في الحد من فرص بقائها وانتشارها.
وأشار الكلش إلى إمكانية إنشاء مصائد ضوئية خارج النطاق السكني، تتكون من مصباح يوضع فوق حوض يحتوي على الماء والصابون، لجذب الحشرات وتجميعها بعيدًا عن المنازل والتجمعات السكانية.
كما تحدث عن التنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ عمليات رش بؤري تستهدف المصارف ومواقع تجمع الحشرات، خلال ساعات الليل أو في الصباح الباكر، بدلًا من تنفيذ عمليات رش واسعة وغير موجهة.
أمطار وسيول في عدة محافظات سورية
يأتي انتشار الحشرة في ريف الحسكة الجنوبي عقب موجة من الهطولات المطرية التي شهدتها مناطق واسعة من سوريا خلال الأيام الأخيرة، إذ شهدت محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، إلى جانب مناطق في شرق حمص وحماة وحلب، أمطارًا رعدية ترافق بعضها مع رياح هابطة قوية.
وأدت الهطولات إلى حدوث فيضانات وسيول وجريان الأودية، فضلًا عن قطع عدد من الطرقات، في ظل تفاوت تأثيراتها بين المناطق المتضررة.
وبينما يطالب سكان القرى المتضررة بتدخل الجهات المعنية للحد من وصول الحشرة إلى منازلهم، يؤكد المهندس الزراعي الحاجة إلى متابعة انتشارها في الأراضي الزراعية أيضًا، للتأكد من عدم تأثيرها في البذور والبادرات مع بداية موسم زراعة القمح والشعير، وتحديد وسائل المكافحة التي تحقق الغاية المطلوبة دون التسبب بأضرار صحية أو بيئية.