د. سعود النداح
الخوف أسرع المشاعر انتقالاً بين البشر وأقل الاشياء التي تحتاج إلى دليل. لا يحتاج الإنسان أن يرى الخطر بعينه ليخاف منه فقط يكفيه أن يرى وجه من يخاف أو أن يسمع نبرة صوت مرتجفة أو أن تصله رسالة تبدأ بكلمة “عاجل” ليبدأ قلبه يسرع قبل أن يعرف ما الذي حدث.
وعلماء النفس يسمون هذه الظاهرة العدوى العاطفية فنحن دون وعي نقلّد وجوه من حولنا ونبرتهم ووقفتهم ثم نشعر بما يشعرون به. وهذا ما يفسر لماذا تضطرب القاعة كلها إذا بدأ فيها شخص واحد بالذعر ولماذا يهدأ الأطفال حين يهدأ والداهم دون أن يُقال لهم شيء والهاتف في هذه الظاهرة وسيط أقوى من الوجوه كمقطع يتنقل بين مئة مجموعة ينقل الشعور نفسه مئة مرة.
والمشكلة أن المسألة غير متكافئة فالدماغ مصمم ليعطي الأولوية لما يهدد فينتبه للخبر المخيف أسرع من الخبر المطمئن ويتذكره أطول ولهذا ينتشر الذعر بلا جهد بينما يحتاج الهدوء إلى من يحمله للاخرين.
وفي الأوقات المضطربة يصبح كل واحد منا حلقة في سلسلة نظن أننا حين نعيد إرسال مقطع أو رقم أو توقع “للعلم” نؤدي واجباً إخبارياً والحقيقة أننا ننقل شعوراً وليس معلومة. فالمقطع الذي شاهده الجميع ثلاث مرات لا يضيف معلومة في المرة الرابعة لكنه يضيف خوفاً في كل مرة وكذلك الرقم الذي لم نتحقق منه يكبر في كل يد تمر عليه حتى يصير أثقل من الواقع.
والخوف حين ينتقل لا يبقى شعوراً وإنما يتحول إلى سلوك فنرى الناس في أي أزمة يتزاحمون على ما لم ينقص ويغيرون خططهم لأن غيرهم غيّروا ويتصرفون كأن الخطر أقرب مما هو. ولا يملك أحد منهم معلومة جديدة. كل ما في الأمر أنه رأى غيره يتصرف فتصرف مثله. وهكذا يصنع الذعر الأزمة التي كان يخافها.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في وصية قصيرة “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” ولا أفهم التبشير هنا تجميلاً للواقع ولا إخفاءً له إنما اختيار لما يُنقل إلى الناس وكيف يُنقل. فمن نقل لهم ما يخيفهم بلا حاجة نفّرهم ومن نقل لهم ما يثبتهم بشّرهم دون أن يكذب عليهم.
وليس الهدوء الذي أقصده لامبالاة ولا إنكاراً للقلق. الهادئ ليس من لا يخاف إنما من لا ينقل خوفه. يتابع ما يهمه من مصدر موثوق ويتوقف عن الإعادة والتكرار ويتكلم أمام أهله ببطء ويجيب أطفاله بقدر ما يسألون ولا يزيد. وهذه كلها أفعال صغيرة لكنها تقطع السلسلة عند حلقته.
وقبل أن ترسل شيئاً في أي أزمة اسأل نفسك سؤالاً واحداً فقط هل هذا يضيف معلومة أم يضيف خوفاً ؟ فإن كان الثاني فاحتفظ به ولا تظن أن صمتك تقصير أحياناً يكون أنفع ما تفعله لمن حولك ألا ترسل شيئاً.
تم نشر هذه المقالة عدوى الهدوء للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.