لم يتوقف الدارسون والباحثون في التاريخ عن الكتابة في شأن أسباب سقوط الدولة العثمانية، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس قروناً طويلة قبل أن تطوى صفحتها إثر هزائم ونكسات. الموضوع ما يزال يشغل المهتمين في تركيا وفي الدول، التي كانت جزءاً من الحدود العثمانية في الماضي، بل هو موضوع مثير لاهتمام كل من يرغب في دراسة كيفية صعود وهبوط الأمم. السبب الظاهر هو أن تفكك الدولة نتج عن مشاركتها في الحرب العالمية الأولى وانحيازها للطرف الألماني الخاسر. يعتبر البعض أن ذلك كان الخطأ القاتل، بينما يرى آخرون أن السلطنة، التي كانت تخشى تربص الروس والإنكليز والفرنسيين بها، لم يكن لديها خيار آخر. إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة، والبحث في أسباب الانهيار يتطلب عودة لدراسة التفاعلات الداخلية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اللذين شهدا انفتاحاً أكبر على الثقافة والحضارة الأوروبية، ما ولد صراعاً بين الطبقتين المتدينة المحافظة والمتغربة المتعلمة والصاعدة. لم يقتصر الصراع على المثقفين، بل كان للسلاطين المتأخرين بداية من سليم الثالث ومحمود الثاني نظرة مختلفة عن نظرة آبائهم لشكل ودور الدولة، وبدا أكثرهم متفقاً مع أفكار النخب المتأثرة بالفكر الأوروبي، التي كانت لا ترى بأساً في استقدام الأوروبيين وإرسال البعثات، والتي كانت تحمل أحلاماً بدولة حقوق ليبرالية وبحكم دستوري. المسألة لم تكن مجرد تنظير وتثاقف، لكن هذا التدافع الفكري تسبب في ولادة صراعات بين مكونات الدولة وإثنياتها المختلفة. النخب بدت وكأنها تود الاحتفاظ بفكرتين متناقضتين: فكرة الدولة متعددة الخلفيات العرقية، التي تقوم على التعددية على النمط الغربي من ناحية، وفكرة الدولة القومية من جهة أخرى. من الناحية الدينية كانت أفكار النخب الجديدة تصطدم مع المفهوم الراسخ، الذي يعتبر أن الدولة، وإن قبلت وجود أديان أخرى، إلا أنها في نهاية المطاف دولة مسلمة، ما يتناقض مع فكرة أن تكون محايدة إزاء جميع العقائد والأديان. المساواة بين الأديان مثلت التحدي الأكبر، فبينما تحصلت القوميات المسلمة على مكانة لائقة في السياسة والمجتمع، كان الطريق يبدو طويلاً بالنسبة للأقليات الدينية.
بمفهوم اليوم، كان ثمة تمييز ضد الأقليات، خاصة المسيحيين، الذين كان ولاؤهم للدولة مثار شك. كان هذا مفهوماً بالنظر للطبيعة الدينية لنشأة الدولة، لكن هذا التمييز مثّل ذريعة مناسبة للدول الأوروبية ولروسيا للتدخل بحجة الدفاع عن المسيحيين. لم يلبث هذا أن تسبب في القرن التاسع عشر في تحقيق رغبة كل من اليونانيين والصرب والبلغار في الانفصال. مع بداية القرن العشرين وللحفاظ على من بقي من الأقليات المسيحية وتجنب التدخلات الأجنبية، سعت الدولة إلى تصميم نسخة جديدة وإعادة تعريف الهوية العثمانية بما يجعلها لا تقتصر على الهوية المسلمة، وهو ما كانت ذروته في 1908 من خلال ما يعرف بـ»الثورة الدستورية»، التي كانت أقرب لتحقيق مفهوم الدولة العلمانية. هذا التحول الجديد لم يمنع تململ الأقليات ولا ثورات المسيحيين، التي كان على رأسها ما خاضته شعوب البلقان، التي انخرطت في حرب انتهت بانفصالها. كانت تلك هي الظروف، التي ظهرت فيها أزمة الأرمن، الذين حاولوا استغلال هذه الأجواء وذلك العون الروسي السخي، الذي كان يشجعهم على الاستقلال، في إحداث الكثير من أعمال القتل والفوضى. هذه التوترات العثمانية الأرمنية أدت في نهاية المطاف لاتفاق حماية وحكم ذاتي في عدد من المحافظات برعاية أوروبية. رأى كثير من المؤمنين بالدولة العثمانية آنذاك، أن سياسة الانفتاح والليبرالية هذه لم تساعد على تماسك الدولة، بل على العكس ساهمت في إحداث الثورات وتشجيع التمرد. بالنسبة لهؤلاء فإن الأصل هو الدولة الإسلامية على الطريقة القديمة، لأنه يجب عدم منح السلطة لأشخاص تغلب عليهم الرغبة في إضعاف السلطنة وتفكيكها. وجهة النظر، التي تقول إن محاولة السلاطين تقريب المسيحيين وأشخاص آخرين مشكوك في ولائهم، كانت من العوامل التي ساهمت في إفشال الدولة، كانت وما تزال رائجة. في 1913 وصل الأمر لأن يدعو وزير الحربية، الذي كان لا يرى الصراع، إلا على أنه ديني، لمقاطعة التجار وأصحاب الأعمال المسيحيين. الحرب العالمية الأولى جاءت وسط كل هذه الفوضى والاضطرابات، التي لم تكن منطقتنا، التي انتقلت إليها الأفكار الوطنية والقومية، والتي ستبدأ فرنسا وبريطانيا بوضع أياديها على أجزاء منها، بعيدة عنها. في المنطقة العربية كان الحس القومي مدعوماً ببعض المظالم الواقعية، التي كان على رأسها السياسة، التي تجعل محافظات عربية محكومة من قبل عمال وموظفين أتراك لا يتحدثون العربية، ولا يرى معظمهم أنه يجب عليه ذلك. المسألة العربية هي من النقاط، التي ما تزال مثيرة للنقاش، ما بين قوميين يرون أنه كان لا بد من البحث عن الاستقلال في ظل السياسة العثمانية المتعالية والتعديات الثقافية، التي كانت تجعل أصحاب اللغة العربية يظهرون بمستوى أقل، وما بين من يرى أن التوجه نحو تكوين دول منفصلة لم يكن سوى خيانة وطعن للخلافة في الظهر. من ناحية أخرى نلاحظ قلة الكتابات، التي تناولت تأثير العسكر العثماني في إضعاف الدولة وإفسادها. هذا المبحث مهم ليس فقط لدارسي التاريخ، ولكن أيضاً لمن يستخلصون منه عبر الحاضر. من المهم على سبيل المثال دراسة كيف تحول المجاهدون «الانكشارية»، الذين قاموا بأدوار نبيلة في القرون الأولى ومعهم جحافل المتطوعين، الذين كانوا جاهزين للتقدم متى ما دعا الداعي، إلى أحد أكبر مشاكل الدولة، حينما زادت تدخلاتهم في المجالات السياسية والتنفيذية والاقتصادية، لدرجة أنهم باتوا يخططون للتخلص من السلاطين، الذين لا يكونون على هواهم. تزايدت هذه التدخلات ووصلت حد تدبير اغتيالات سلطانية، حتى وضع السلطان محمود الثاني في بداية القرن التاسع عشر حداً لكل ذلك بقضائه على الانكشارية وتوجهه نحو صناعة جيش على النمط الحديث. ذلك كان انتقالاً مهماً، لكن لم يخل تنفيذه هو الآخر من تعقيدات. في ذكرى سقوط الدولة العثمانية (بداية نوفمبر 1922) ربما يكون من المثير أن نحاول تغيير طريقة النظر للأحداث من الاستغراق في بحث أسباب الانهيار والسقوط، إلى التساؤل حول ما إذا كان بإمكان تلك الإمبراطورية المترامية أن تستمر لفترة أطول. كتاب أستاذ الدراسات التركية في جامعة جورج تاون الأمريكية مصطفى أكساكال، الذي حمل عنوان: «الحروب التي صنعت الشرق الأوسط» ينشغل بدراسة هذه الافتراضات. يحكي أكساكال في كتابه الصادر حديثاً عن أسباب الانهيار، لكنه ينطلق من ذلك محاولاً وضع سيناريوهات مختلفة لدولة لا تنخرط في الحرب العالمية ولا تطوقها الامتيازات الأجنبية، التي تم ابتداعها كنوع من المجاملة قبل أن تتوسع لاحقاً. يتساءل أكساكال: هل كانت دولة بسياسات وظروف مختلفة تستطيع أن تدير تنوعها بشكل أفضل، بما يجعلها لا تخسر أقاليمها ولا حدودها؟ في نهاية المطاف تبقى الدولة العثمانية إحدى أعظم إمبراطوريات العالم من ناحية النجاح في البقاء لوقت طويل نسبياً، على الرغم من التحديات، إلا أنه، ومهما كانت العظمة، فإن لحظة النهاية لا تلبث أن تأتي، ما يذكر بقول الشاعر: «لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغرّ بطيب العيش إنسان».