شهدت فعاليات الدورة الثانية عشرة من ملتقى الشارقة للخط، المنعقدة تحت شعار «ميزان»، حضوراً لافتاً للتناغم بين فنون الخط واللون والتشكيل. وقد برزت في هذه الدورة أعمال لثلاثة فنانين عرب وظفوا النصوص الدينية في تجارب بصرية تحول الحرف من مجرد أداة لغوية إلى بنية جمالية ودلالية شاملة.
ويعتمد الخطاطون في هذه الأعمال على الخط كركيزة أساسية تمنح العمل إيقاعه وحركته، مع توظيف اللون ليس كزينة خارجية، بل كأداة لإعادة صياغة المعاني، بينما يعمل التشكيل الخطي كمنظومة هندسية تنظم العلاقة بين الفراغ واللون والحرف.
ومن بين المشاركات، قدم الدكتور بلال مختار، الخطاط المصري، لوحة بعنوان (الصادقين)، استلهم نصها من سورة الزمر (الآيات 53-55): «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ».
اعتمد مختار في لوحته على ورق طبيعي مقهر، ووزع النص القرآني على ثلاثة مستويات لونية تدمج بين الأسود والأخضر فوق خلفية فاتحة. وقد ارتكز الجوهر البصري للعمل على تنظيم دقيق للحروف يراعي التوازن والإيقاع، محولاً المنظور الفني إلى نص بصري موحٍ عبر توزيع مدروس للزخرفة والفراغ واللون.
وتتجلى في هذه اللوحة انسيابية الحروف وتداخلها فوق أرضية باللون البيج، مما يجعلها نموذجاً متكاملاً للفن الإسلامي الذي يربط بين الخط والكتلة وتوزيع المساحات.
من جانبها، شاركت الخطاطة الإماراتية هاجر الكثيري بعمل استوحت نصه من سورة التحريم (الآية 11): «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، حيث ركزت على عبارة «رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
صممت الكثيري لوحتها بوضع النص الملون بالأصفر داخل إطار مستطيل، يحيط به تشكيل زخرفي يطغى عليه اللون البني. هذا المزيج اللوني بين الأصفر والبني خلق توازناً نفسياً وتعبيرياً يعكس حالة الطمأنينة والأمان المرتبطة بمعاني الجنة، مما أظهر قدرة الفنانة على مواءمة دلالة النص الديني مع التشكيل اللوني.
أما الخطاط السوري أحمد البشير، فقد قدم لوحة جسدت آيات من سورة القارعة (الآية 6): «فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ».
وقد ترجم البشير المعنى القرآني بصرياً من خلال التباين في المواضع؛ حيث وضع عبارة «ثقلت موازينه» في الجزء العلوي، بينما جعل «خفت موازينه» في الأسفل. واستخدم اللون البني في تشكيل فني يشغل مساحة كبيرة من العمل لإبراز قوة الآيات، مع اختيار خلفية فاتحة منحت اللوحة عمقاً بصرياً وإشراقاً، مما جعل التفاصيل البنية تبدو أكثر حيوية ودفئاً.
تعكس هذه التجارب الثلاث عمق التمازج بين الحرف واللون، حيث تضافرت الكتل الكثيفة مع الفراغات لخلق حركة حيوية في اللوحات. وبذلك تحولت الأعمال إلى نصوص بصرية ذات وحدة عضوية، تنقل للمتلقي جلال النصوص الدينية وقوتها الروحية والفكرية.