يتناول برنامج "الدحيح" في حلقة (2026/10/21)، التي تبث على منصتي الجزيرة 360 و"AJ+" والتي يمكن متابعتها على هذا الرابط، قصة علمية تمتد لأكثر من قرن، انطلقت من رهان غريب بين مربي خيول أمريكي في سبعينيات القرن الـ19، وبلغت ذروتها بجائزة نوبل في الكيمياء لعالم مصري غيّر فهم البشرية للزمن.
ويسرد البرنامج رحلة العالم أحمد زويل من مدينة دمنهور إلى معهد كالتك (جامعة بحثية خاصة ونخبوية متخصصة في العلوم والهندسة، في مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا)، عبر محطات مضيئة أحدثت ثورة غير مسبوقة في الكيمياء الحديثة وأعادت صياغة إدراكنا البشري للزمن والسرعة.
ويوضح البرنامج أن الشرارة الأولى اشتعلت عام 1872، عندما دخل إمبراطور السكك الحديدية ليلاند ستانفورد في جدل مستعر حول قدرة الحصان الحقيقية على الارتكاز التام في الهواء أثناء العدو السريع داخل المضمار.
واستعان ستانفورد بالمصور البريطاني إدوارد مايبريدج لتصوير الفرس السوداء سالي غاردنر عبر 12 كاميرا متتالية، ليثبت أن الحصان يتعلق كليا في الهواء أثناء العدو، في تجربة علمية تؤسس لمفهوم التصوير الزمني.
وفتح هذا الاكتشاف -وفقا للحلقة- الباب أمام علماء الفيزياء لتجميد الحركة السريعة، من تصوير القطط وهي تنقلب في الهواء إلى رصد رصاصة تخترق تفاحة في جزء من الثانية.
ومن جانب آخر، انتقل الشغف إلى مستوى أدق، حيث سعى الكيميائيون إلى تصوير التفاعلات الذرية التي تحدث في أجزاء من التريليون من الثانية، وهنا تبدأ رحلة أحمد زويل، المولود يوم 26 فبراير/شباط 1946، الذي كتب على باب غرفته حين كان طفلا "الدكتور أحمد".
وتشير الحلقة إلى أن زويل التحق بجامعة الإسكندرية وتفوق فيها، ثم سافر إلى الولايات المتحدة عام 1969 بـ40 دولارا فقط، وواجه صعوبات التأقلم بالانكباب على البحث المعملي الدؤوب.
ورفض العالم الراحل عروضا مالية سخية مفضلا الحرية الأكاديمية المطلقة داخل معهد كالتك العريق، حيث بدأ رحلته التاريخية الكبرى في ترويض الزمن وكشف أسرار الجزيئات بحرفية وعزيمة لا تلين.
وهناك، ابتكر زويل منظومة ليزر متطورة تعتمد على تقنية "المضخة والمسبار"، تطلق نبضتين بفارق زمني دقيق لتصوير التفاعل الكيميائي، حيث يعادل الفيمتو ثانية جزءا من مليون مليار جزء من الثانية.
وهي وحدة قياس تفوق سرعة الكاميرات التقليدية بتريليونات المرات، وبتجربة رائدة أجريت على جزيء سيانيد اليود، وثق زويل بدقة لحظة انفصال الذرات في زمن قياسي بلغ 200 فيمتو ثانية فقط.
وواجه زويل تحديا علميا كبيرا تمثل في تشكيك علماء ميكانيكا الكم الذين رفضوا قبول صحة نتائج تجاربه، فأجرى تجربة أخرى أشد تعقيدا على يوديد الصوديوم ليرصد ببراعة تذبذب الرابطة، واحتفاظها بالترابط الكمي.
وسجل رسما بيانيا دقيقا ومنتظما يثبت أن ما يرصده هو حركة جزيئية حقيقية، واعترافا بهذه النتائج العظيمة والباهرة، وصف المجتمع العلمي العالمي زويل بـ"غاليليو القرن العشرين".
ومنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999 لزويل، تقديرا جديرا لابتكاره العظيم علم "كيمياء الفيمتو"، وكما يوضح الدحيح فهو أول عالم عربي ومصري وأفريقي ينال نوبل في العلوم عبر التاريخ.
ليصبح بعدها زويل رمزا وطنيا رفيعا وبطلا علميا بارزا، لم تتوقف إنجازاته عند هذا الحد المهم، بل طور الميكروسكوب الإلكتروني رباعي الأبعاد، ومهد الطريق لأزمنة أدق كالأتو ثانية والزيبتو ثانية.
وتخلص الحلقة إلى الإشارة لتأسيس مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمصر، التي فتحت أبوابها عام 2013 بعد صراع مرير مع البيروقراطية، ورغم رحيله عام 2016، فإن إسهاماته الخالدة تبقى منارة حقيقية تلهم العقول.