في نهج الدباغين، على تخوم المدينة العتيقة والحي الأوروبي في قلب العاصمة التونسية، تبدو الكتب كأنها تقاوم وحدها تحول المكان.
رفوف خشبية متواضعة، أكوام من الروايات والمراجع والمجلات القديمة تمتد بمحاذاة الجدران، فيما تتسلل بينها واجهات جديدة لبيع الأقمشة والمنتجات الصينية، كأن الشارع يبدل جلده تدريجيا، تاركا وراءه جزءا من ذاكرته الثقافية.
لسنوات طويلة، كان هذا الزقاق محطة للطلبة والمثقفين والباحثين عن الكتب النادرة، حتى شُبّه بدوره الثقافي بأسواق عربية عريقة مثل سور الأزبكية في القاهرة وشارع المتنبي في بغداد.
أما اليوم، فلا تزال الكتب حاضرة، لكن أصحابها وزبائنها يتحدثون عن سوق تغيرت ملامحها، وأصبحت تكافح للحفاظ على مكانها.
يحمل نهج الدباغين اسمه من مهنة كانت تمارس فيه قبل قرون، حين كانت دكاكين دباغة الجلود تتمركز في أطراف المدينة العتيقة، بعيدا عن قلبها السكني والتجاري.
ومع توسع العاصمة خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، أصبح النهج جزءا من النسيج العمراني الذي يربط المدينة القديمة بالحي الأوروبي.
وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأ يتحول تدريجيا إلى سوق للكتب، مع ظهور مكتبات وبسطات تبيع الكتب الجديدة والمستعملة، ليصبح أحد أشهر العناوين التي يقصدها عشاق القراءة في العاصمة.
لكن المشهد الذي صنع شهرة النهج لم يعد كما كان، إذ تتراجع المكتبات أمام أنشطة تجارية أخرى، بينما يخشى كثيرون أن يتحول المكان إلى شارع عادي يفقد ما ميزه لعقود.
الروائي التونسي محمد أمين بن هلال يعرف هذا التحول عن قرب، فمنذ نحو عشرين عاما، حين كان طالبا يقتطع جزءا من مصروفه لشراء الكتب، بدأ يتردد على النهج باستمرار، ثم استمرت علاقته بالمكان حتى بعدما صار صحفيا وكاتبا.
يقول للجزيرة نت: “بالنسبة إليّ، رؤية الكتب متعة بصرية، كأنني أنظر إلى لوحة أو أشاهد فيلما، وأحيانا تتحول عملية البيع والشراء إلى أداء مسرحي بين البائع والمشتري”.
ومع مرور الوقت، لم تعد زيارته مرتبطة بشراء الكتب فقط، بل أصبحت جزءا من حياته اليومية.
ويرى ابن هلال أن نهج الدباغين لا يبيع الروايات والمجلات فحسب، بل يحتفظ بتنوع لافت، من الكتب الأكاديمية إلى ما يعرف بكتب الحكمة، وهو ما يمنح السوق طابعا مختلفا عن المكتبات التقليدية.
داخل إحدى المكتبات التي ما زالت تقاوم في النهج، يلخص صاحبها طاهر رزقي واقع السوق بكلمات مقتضبة.
يقول للجزيرة نت إن العمل أصبح “صعبا للغاية”، وإن الإقبال على الكتب تراجع، معتبرا أن التطور التكنولوجي والإنترنت قلصا علاقة الناس بالكتاب الورقي.
ورغم ذلك، لا يزال يجد زبائن أوفياء، لكن معظمهم من الطلبة وأولياء الأمور الذين يحاولون ترشيد نفقاتهم بالحصول على المراجع بأسعار أقل من المكتبات التجارية.
وتكشف شهادته وجها اقتصاديا للتحول الذي يشهده النهج؛ فاستمرار بيع الكتب لم يعد يعتمد على الشغف وحده، بل أصبح مرتبطا بقدرة الباعة على الصمود في سوق تتغير أولوياتها.
بالنسبة إلى ابن هلال، لا تكمن المشكلة في تراجع الإقبال وحده، بل أيضا في اختفاء المكتبات نفسها.
ويروي أن أحد المحلات عند مدخل النهج كان يعج بالكتب قبل وفاة صاحبه، لكن الورثة لم يحافظوا عليه.
وفي النهاية، بيعت الكتب إلى صاحب فضاء ثقافي آخر، بينما أصبح العامل الذي كان يدير المكتبة بلا عمل.
وتختصر هذه القصص جانبا من التحول الذي يعيشه الشارع؛ فحين تختفي مكتبة، لا يفقد المكان محلا تجاريا فقط، بل يفقد جزءا من ذاكرته، وشبكة من العلاقات التي كانت تنشأ بين الباعة والقراء.
أما أصحاب البسطات، فيواجهون هشاشة من نوع آخر، فالأرزاق، تبقى أحيانا متعلقة بالطقس، إذ تضطرهم الأمطار إلى إغلاق محالهم أو بسطاتهم والعودة إلى البيت ليصبح الطقس ظرفا آخر تقاومهم الكتب في نهج الدباغين.
ورغم كل هذه التحولات، لا يزال النهج يجذب جيلا جديدا من القراء.
الطالب محمد علي يقول للجزيرة نت إنه يزور المكان بشكل دوري، وأحيانا يأتي بحثا عن عنوان معين، لكن رحلته تنتهي بشراء كتب لم يكن ينوي اقتناءها.
ويضيف أن نهج الدباغين “يساعد الطلبة وكل من لا يملك القدرة على شراء الكتب الجديدة، كما يتيح العثور على مراجع مفقودة يصعب إيجادها في أماكن أخرى”.
وتبدو هذه العفوية في اكتشاف الكتب جزءا من خصوصية السوق؛ ففي زمن أصبحت فيه خوارزميات الإنترنت تقترح ما ينبغي قراءته، يترك النهج للمصادفة دورها القديم في صناعة العلاقة بين القارئ والكتاب.
أمام هذا الواقع، يقترح الباعة ومن ربطتهم علاقة تتجاوز الشراء بالكتب تخصيص فضاء لباعة الكتب قرب وزارة السياحة، حيث تكون حركة المارة أكبر، ويستطيع السياح أيضا اكتشاف سوق الكتب التونسية، معتبرين أن ذلك قد يساهم في الحفاظ على صورة تونس بوصفها بلدا يرتبط بالقراءة والثقافة.
لكن حتى من دون هذا الحل، يبقى السؤال معلقا بين رفوف نهج الدباغين: هل يستطيع الشارع أن يحتفظ بروحه بينما تتغير واجهاته؟
فالكتب ما زالت هنا، لكنها تشارك المكان اليوم مع تجارة أخرى تتوسع بهدوء. وبين بائع ينتظر زبونا، وطالب يفتش عن مرجع، وروائي يعود إلى المكان كمن يعود إلى ذاكرته، يواصل نهج الدباغين تبديل جلده، بينما تحاول الكتب أن تؤخر لحظة الغياب.