ارتبطت صورة عمّان وبلاد الشام تاريخيًا بالحجر الطبيعي، غير أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد تحولًا في نمط العمران؛ إذ تراجع البناء بالحجر كمادة إنشائية حاملة لصالح الإسمنت المسلح المكسو بقشرة حجرية خارجية. وفي سياق أسبوع عمّان للتصميم، يعيد المعماري والباحث وسام العسلي تفكيك هذا التحوّل ومساءلة علاقتنا مع مواد البناء المحلية واقتصادياتها.
شارك العسلي في أسبوع عمّان للتصميم بعمل معماري بعنوان «تشبيك» – وهو مسرح ومقاعد مصممة من أقواس حجرية معشّقة احتضنتها ساحة المدرّج في منطقة رأس العين، وتحوّلت على مدار أسبوعين إلى مساحة حوارية يومية، قدّم من خلاله نموذجًا تطبيقيًا لاستخدام حجر الحلّابات المحلي رخيص التكلفة في بناء عقود وأسقف حاملة، مستكشفًا بذلك إمكانية إنتاج عمارة محلية، مستدامة، وغير مكلفة.
يُدرّس العسلي في إسبانيا ويشرف على أبحاث تناولت خامات البناء وعلاقتها بالهوية واقتصاد الندرة، وقد صدر له مؤخرًا كتاب «Cultures of Making» (ثقافات التكوين)، كما ساهم في تحرير كتاب «الحداثة العربية: العمارة ومشروع الاستقلال» الذي يرصد تحوّلات العمران العربي في حقبة ما بعد الاستعمار.
في هذا الحوار، نتحدث مع وسام العسلي عن الحجر والخرسانة، واقتصاد الندرة، وعن موقع المعرفة الحرفية في الإنتاج المعاصر.
كثيرًا ما نفكّر بعمان على أنها مدينة الحجر الأبيض، لكن في العقود الفائتة طرأ تحوّل على شكل البناء في الأردن والمنطقة، وصار الحجر يستخدم كواجهة للأبنية تغطي الإسمنت المسلّح بدلًا من أن يكون مادّة البناء الأساسية. كيف حصل هذا التحوّل؟ وهل تعتقد أن علينا العودة للبناء بالحجر؟
وسام: الحجر مادة متجذرة في ذاكرتنا وعمراننا؛ نجده بكثرة في حلب، ودمشق بألوانها الجيولوجية المختلفة، كما في عمّان وفلسطين. لذا فالحجر مادة عزيزة علينا.
ما حصل في العمارة الحديثة، خصوصًا مع دخول مادّة الإسمنت المسلح إلى البناء، هو ظهور مجموعة من التوجهات التي فرضت على العمارة، فبدأنا نرى الإسمنت المسلح المكسو بالحجر في كل المباني حولنا، وخسرنا هذه العلاقة المباشرة مع الحجر كمادة متعددة الاستخدامات. علاقتنا بالحجر كانت أعمق قبل دخول مادّة الإسمنت المسلح إلى البناء، كنّا في السابق نعمل مع المادّة بالطريقة التي تحب المادّة التشكل بها، وهذا دفعنا للتعامل معها بأشكال هندسية مرتبطة تمامًا بطبيعة المادّة. مثلًا، إذا كان لدينا شجرة، نستخدمها كوتد، إذا كان لدينا حجر، نضع حجرين فوق بعضهما البعض لنصنع جدار. على عكس الحجر، يمنحنا الإسمنت المسلّح حرية التشكيل على الشد والضغط. في البداية كان هذا تحررًا معماريًا جميلًا، لكنه سرعان ما تحوّل إلى نمطية مكررة في الخلطات والفراغات والأشكال الهندسية، ليتحول الإسمنت من مادة تفتح إمكانيات التشكيل إلى مادة تقيّده. وبالتزامن مع ذلك، بدأنا نفقد الإحساس بكيفية التصميم مع طبيعة المادة، كالحجر والخشب، وصرنا نصمم مع الحجوم فقط.
ما الذي يفوتنا عندما نحدد استخدامنا للحجر؟
ما يفوتنا بداية هو هذه المَلَكة الأساسية المتعلقة بالتعليم المعماري وتأصله بجذور المكان ومواده وجيولوجيته وثقافة العمارة والبناء الموجودة به. عندما نتوقف عن البناء بالمواد المحلية وبالحجر، نضع مسافة بيننا وبين فرص مهمّة جدًا للبناء بهذه المادّة. لا نخسر فقط تاريخًا وإنما نخسر إمكانيات مستقبلية، عندما نعرف ما هي ثقافة البناء الموجودة ونعمل جردًا بسيطًا لإمكانياتنا، سنعرف كيف نأخذها نحو المستقبل. أصبح لدينا أدوات جديدة في الهندسة وفي التحليل تساعدنا على فهم تكوينات مختلفة عن طريق المحاكاة مثلًا أو عن طريق الإنتاج، الأدوات التقنية الجديدة ليست غريبة عن الأدوات الأساسية أو المحلية. لا أرى الاثنين متضادين وإنما بالعكس يساعدان بعضهما. نضيع اليوم فرصة استخدام هذه الأدوات لنفهم جانبًا قابلًا للتطوير في سبيل إنتاج عمارة ليست فقط جميلة وإنما ممكنة وبمقدورها أن تكون قليلة التكلفة وبمتناول الجميع وبمواد محلية.
اخترتَ أن تعمل في أسبوع عمّان للتصميم مشروعًا من الحجر الجيري من منطقة الحلّابات تحديدًا، أخبرنا أكثر عن هذا العمل وسبب اختياره.
هذا العمل اسمه تشبيك، وهو إعادة تقنية بناء لمكانها الطبيعي. في هذا النوع من البناء، بدل أن نضع قطعة الحجر إلى جوار الأخرى على الضلع العريض كما نفعل بالعقود، نضعها على سيفها بحيث يشتبك الضلع النحيف مع الضلع النحيف بجانبه. هذه التقنية موجودة كثيرًا في إسبانيا واسمها bóveda tabicada [القبوة الخفيفة/القبوة الكتالونية]. أصل الكلمة هو «تابيكة» وهو الجدار المعشّق، و«تابيكة» أصلها عربي من كلمة «تشبيك». فأنا رجعت بالكلمة وغيّرت المواد المستخدمة إلى مواد من منطقتنا لكنني استخدمت نفس التقنية، فهو نوعًا ما حوار تقني مادّي مفاهيمي، عمّا يعنيه أن نبني بهذه الطريقة.
عملت على المشروع مع خضر فانوس، وهو مهندس ولديه معمل حجر، وكنّا نناقش ما هي المادّة المناسبة، فقلت له أريد حجرًا شديد المسامية، فقال لي إنه موجود لكنّه ضعيف جدًا، وهو حجر الحلابات، ويتكسّر بالشغل. لكن ميزة هذه الطريقة وهذا الشكل الهندسي أنه يتيح لنا استخدام مواد ضعيفة لأنها تصبح أقوى عن طريق هندسة الأشكال. لهذا كان حجر الحلابات فعّالًا معنا لأنه مساميّ، وفي الوقت نفسه أثبتنا أنه وعلى الرغم من أنه حجر غير مرغوب إلا أن بإمكانه عمل أسقف وجدران أي أن يعمل كحامل، وليس فقط قشرة.
أحد الأسباب التي قد تمنع الناس من العودة للبناء بالحجر اليوم (كمادّة حاملة وليس فقط قشرة) هو تكلفته العالية، هل يمكننا القول إنك من خلال تجربتك في استخدام حجر الحلّابات قليل التكلفة تحاول تجاوز هذا العائق؟
حتى وأنا أعمل بسياق أسبوع تصميم، أحب أن أُخرِج هذه المادّة من المتحف ومن بيوت الأغنياء والفلل والقصور، وأشعر أن هذا ممكن إذا استغلّينا كل الفرص للتجريب.
نشهد اليوم عودة لاستخدام بعض المواد الطبيعية في البناء مثل الحجر، لكنها تعود بسياقات نيوليبرالية جدًا، لها علاقة بنيوليبرالية الفن والسكن، بمعنى أنه إذا رغبت اليوم في بناء بيت بمواد محلية ستكون تكلفته أعلى من تكلفة أي بيت مبني بمواد مثل الإسمنت المسلح، وهذه مشكلة. لذا وجدت أن المهمّة التي تحفزني هي كيفية الاشتباك مع هذه المشكلة. وأرى أن كل أسبوع تصميم وكل بينالي هو فرصة للتفكير في كيفية جعل هذه المادّة أقرب للسوق وللاستخدامات، فمثلًا الحجر الذي استخدمناه هنا هو حجر الحلابات، وهو فعلًا أرخص حجر موجود، ولم يكن لدينا مشكلة بهشاشته لأننا نفهم هذه الهشاشة ونتعامل معها، والنظام الذي عملناه في «تشبيك» مخصص بالأساس لبناء أسقف البيوت، وهي العنصر المعماري الأغلى بسبب حديد التسليح. لذلك عند البحث عن بدائل محلية رخيصة يجب أن نفكر بكيفية إلغاء حديد التسليح، وهذا ما ارتكزت عليه تجربتنا مع حجر الحلّابات، بالاعتماد على الجاذبية وهندسة القوى، لتقديم خيار بأسقف محلية رخيصة قادرة على منافسة السائد الإسمنتي.
حتى وأنا أعمل بسياق أسبوع تصميم، أحب أن أُخرِج هذه المادّة من المتحف ومن بيوت الأغنياء والفلل والقصور، وأشعر أن هذا ممكن إذا استغلّينا كل الفرص للتجريب. بعملي مع خضر، صنعنا قوسًا بطريقة مبسطة بحيث يمكن لأي حرفي بناؤه، ويمكن أن يتم إنتاجه بكميات كبيرة. نحن وصلنا لإنتاج قوسين في اليوم، وهذا نوعًا ما أسرع بكثير من البناء بالإسمنت المسلح (حيث يحتاج الموضوع للصب ومن ثم الانتظار ليجف). من ناحية السرعة وصلنا لإجابة جيدة ومن ناحية التكلفة لا أعتقد أننا بعيدون كثيرًا، لكننا بحاجة للمزيد من التجارب والتطبيقات العملية. هذه كانت بداية في أسبوع عمّان للتصميم.
بالحديث عن الحرفيين، يحتاج العمل بالحجر إلى مستوى معيّن من العمالة الماهرة أو الحرفية، أليس كذلك؟ هل يمكن القول إننا خسرنا هذا الشكل من العمل الحرفي في الأردن والمنطقة؟ ولماذا؟ وهل من الواقعي أن نقول إننا بحاجة لاستعادته في مشهد يطغى فيه الإنتاج واسع النطاق والذي يسعى دائمًا لتقليل كلفة الإنتاج بكل أشكالها، سواء كانت كلفة المواد أو للأسف الشديد كلفة العمالة؟
لماذا لم يعد هناك حرفيون؟ لأنه لم يعد هنالك مصممون يشتغلون على هذا النوع من المشاريع، وليس العكس. المصممون يتذرعون بأنه لا يوجد حرفيون، لكن مقارباتهم لهذا النوع من المشاريع قليلة جدًا، ربما بفعل الخوف أو الرهبة من شيء لم يتعلّموه ولا يعرفون كيف يتعاملون معه. لم يعد هناك مشاريع تبنى بالحجر، وأصبح دور الحجر فقط للترميم، وهو جزء بسيط جدًا من عالم البناء بالحجر. بالنسبة لواقعية الحديث عن العمل الحرفي في مقابل الإنتاج واسع النطاق، أنا لا أحب أن أضع أي مادّة في العمارة على أحد طرفين متناقضين، إمّا إنتاج حرفي أو إنتاج مصنّع واسع النطاق. أرى أن التصميم أعقد من ذلك. هناك أمور نأخذها من الصناعة وأمور نأخذها من الحرفة. الحرفة ليست مضادة للصناعة، بل تعمل معها يدًا بيد. تعرّفت في أسبوع عمّان للتصميم على سما الساكت، هي تعمل بالفخار والطين المشوي، وتعمل على نطاق متداخل أو هجين بمعنى أنها يمكن أن تنتج جرّة جميلة ويمكنها كذلك أن تنتج 500 ألف بلاطة لمشروع. أعتقد أن مستقبل المواد في المنطقة بحاجة إلى مرونة بين الجانبين الحرفي والصناعي، ومن الذي يمكنه القيام بذلك؟ المصمم، هذا هو دور التصميم وهنا تكمن إمكانياته الكبيرة.
كيف يمكن أن نوازن ما بين العودة للبناء بالحجر أو توظيف إمكانياته، وهو مادة طبيعية موجودة في محيطنا ومتجذرة في العمارة المحلية، وكونه يتطلب فعلًا استخراجيًا ذا تأثير سلبي على البيئة الطبيعية؟
فيما يتعلق بمسار الحياة الطبيعي لمواد البناء، هناك مفاهيم – مثل «دورة حياة المواد»- قد تبدو لنا في المنطقة غريبة أو غربية، وهي كذلك بالفعل. حتى حديث التغير المناخي والبصمة الكربونية يتراءى لنا كنوع من «الغزو الأخضر»، وهو انطباع في محله. قد لا أملك رؤية مكتملة تمامًا بعد حول هذا الأمر، لكن أعتقد أنه من الخطأ إهماله. نحن بحاجة لمواجهة هذه المفاهيم والاشتباك معها بأدواتنا نحن، خصوصًا أن آثار التغير المناخي من جفاف وفيضانات باتت واقعًا نعيشه. نحن ندفع ثمن أزمة لسنا سببها، لكن من الضروري أن نكون طرفًا فاعلًا في التعامل معها. يجب أن نفكربالتعامل مع الحجر كأي معدن ثمين نستخرجه، يجب أن يستخدم بمكانه الصحيح، والحجر مختلف عن الكثير من المواد بديمومته العالية، لذا يجب أن نفكر بحياته على مسار مئات السنين وليس على مسار خمسين أو مئة عام كما نفعل مع الأبنية الإسمنتية. وفي الوقت ذاته، يجب أن ندرك أن كل محجر هو جرح في الأرض ومن الصعب تركه ليتخثر لوحده، نحن بحاجة للتعامل معه وهناك عدّة تجارب بهذا الموضوع بحيث نستطيع أن ندمل هذا الجرح. إذا كنا نستخدم محجرًا وانتهى الحجر فيه، لا داعي لبقائه مفتوحًا ومهملًا، يمكن أن يتحوّل لشيء آخر. ويجب أن نتذكر دائمًا أننا لا نتعامل مع مادة لا نهائية، لذا نحترمها ونحترم الجيولوجيا والطبيعة التي أعطتها إياها ونتعامل معها بحساسية عالية.
لجأ الكثيرون في منطقتنا، بفعل الحصار والعقوبات الاقتصادية والحرب إلى العودة إلى مواد كانوا قد تخلوا عنها سابقًا، وهذا الموضوع، أو ما يعرف باقتصاد الندرة، حاضر في عملك وبحثك. حدثنا عنه أكثر.
مفهوم الندرة نسبي، فهناك ندرة طبيعية تتعامل معها الشعوب باللجوء للموارد المتوفرة لديها، مثل الجسور المصنوعة بالكامل من الحبال في أمريكا اللاتينية بسبب وفرة الألياف النباتية، أو القبب الطينية في حلب بسبب توفر الطين. لكن هناك ندرة مفروضة بفعل الأزمات أو العقوبات لا ينبغي رمنستها ويجب مساءلة المتسبب لها، لكنها تصبح واقعًا يُجبر المجتمعات على استدعاء المعارف التقليدية. هذا ما حدث في سوريا مثلًا بين عامي 2019 و2020؛ إذ أدى انقطاع الإسمنت بفعل الحصار إلى عودة الجدران الحجرية الحاملة والبناء الطيني خلال سنتين فقط. من أين ظهرت هذه المعرفة؟ ولماذا هم أكثر قربًا للمعرفة التقليدية وفي نفس الوقت منفتحون على أنظمة جديدة؟ أحب الاشتباك مع هذا السؤال.
أصبحنا نفكر مثل اليونيسكو بمفهوم التراث على اعتباره حالة محصورة بمكان معين وجغرافية معينة، وحتى لو كان تراث غير مادي فله شروط محددة يجب أن يحققها، لكن الحياة لا تسير هكذا. يجب أن نكون منفتحين أكثر على كيفية انتقال المعارف من مكان لآخر، وكيفية تغيرها، والندرة هي أحد الشروط التي تجعلها تتغير وتستمر. وعندما نفهم المعرفة من هذا المنظور بإمكاننا الحفاظ عليها بشكل أفضل من أن نأتي من الخارج ونفتح مكتب ونحضر حرفيين سوريين ليصنعوا منتجات جميلة بالخشب وتصبح مكلفة جدًا ولا يعود بإمكان أحد العمل معهم.
هم ينظرون لمنتجاتنا كمقتنيات متحفية، بينما الحرف لدينا لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية وتقلباتها، وليست مادية تحنيطية للإنقاذ.
علاقة المفاهيم الحرفية بالمنظومات من أكثر الأسئلة التي تشغلني مؤخرًا، وتناولتها في كتاب صدر حديثًا بعنوان «ثقافات التكوين» (Cultures of Making). لأننا ورثنا مفهوم الحرفة من الغرب، أخذناه على أنه شيء للحفظ والتوثيق والتحنيط فقط، لكن القصة أعقد من ذلك بكثير. هم ينظرون لمنتجاتنا كمقتنيات متحفية، بينما الحرف لدينا لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية وتقلباتها، وليست مادية تحنيطية للإنقاذ. لذلك أسمّي الحرف في الكتاب «أدوات للنجاة»؛ فالعودة للبناء التقليدي وعلاقته بالاقتصاد مسألة مرنة غير متضادة، يحددها دائمًا مدى الحاجة، والمعرفة المتوفرة لدى الناس، والمواد المتاحة ومدى فائدتها لحياتهم.