تولي الأوساط الزراعية في سوريا اهتماماً متزايداً بالزراعة التجديدية كأحد الحلول الممكنة لمواجهة الصعوبات المتفاقمة في القطاع، أبرزها ندرة المياه وتغير المناخ وغلاء مستلزمات الإنتاج، وذلك عبر تحسين خصوبة التربة وتقليل استخدام المياه والحفاظ على الإنتاج والتنوع البيولوجي.
ويرى مختصون في الزراعة أن اعتماد هذا الأسلوب قد يعزز مرونة الأراضي في مواجهة التغيرات المناخية ويقلل استنزاف الموارد، من خلال ممارسات مثل الحد من الحراثة وتناوب المحاصيل والمكافحة الحيوية والاعتماد على المدخلات المحلية.
تحسين التربة وترشيد استخدام المياه
وأشار الخبير البيئي موفق الشيخ علي إلى أن الزراعة التجديدية تعتمد على تقليل الحراثة وتحسين جودة التربة والحفاظ على التنوع الأحيائي وترشيد المياه، كما تسهم في احتجاز الكربون وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
وبيّن الشيخ علي أن تناوب المحاصيل يساعد في تحسين خواص التربة وضمان استمرارية الإنتاج، خاصة مع الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها الأراضي الزراعية.
من ناحيتها، أوضحت الخبيرة في الزراعة التجديدية حنان شرابي أن هذا الأسلوب يقوم على فهم الخصائص الفيزيولوجية للنباتات واختيار الأنواع المتوافقة التي تعود بالنفع على بعضها، وهو ما يُعرف بمبدأ "النباتات المترافقة".
وأضافت أن زراعة الخضروات بجوار نباتات طبية وعطرية كالريحان واللافندر تسهم في طرد الحشرات الضارة، لافتة إلى أن المزرعة التجديدية قد تضم أشجاراً مثمرة وحراجية وخضروات ونباتات طبية وعطرية، مع تجنب الأنواع المتنافسة على الموارد أو المشتركة في الأمراض والآفات.
وتابعت شرابي أن المكافحة الحيوية عبر مستخلصات نباتية محضرة من نباتات المزرعة نفسها يمكن أن توفر حماية وقائية للمحاصيل، وتقوي مناعة النباتات ضد الأمراض والآفات قبل حدوثها.
مشروع "GHOUTA" في ريف دمشق
وفي ريف دمشق، شرعت منظمة "كاريتاس سوريا" بالتعاون مع مديرية زراعة دمشق وريفها في تنفيذ مشروع "GHOUTA" لتطبيق أساليب الزراعة التجديدية على محاصيل صيفية وشتوية، من بينها البندورة والبقوليات والبصل والثوم والسلق.
وأفادت المهندسة الزراعية في المنظمة كريستين السبع أن المشروع يهدف إلى توعية المزارعين بممارسات بسيطة وعملية ملائمة لظروفهم البيئية والاقتصادية، مثل استخدام سماد الكومبوست والفيرمي كومبوست الناتج عن تحلل المخلفات العضوية بمساعدة ديدان الأرض، والاستفادة من المستخلصات النباتية.
كما يتضمن المشروع تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات وتحسين طرق الري وإدارة الموارد المائية، بهدف خفض تكاليف الإنتاج وتحسين الاستفادة من الموارد المتوفرة.
وذكرت السبع أن المشروع واجه صعوبات تتعلق بجِدّة بعض الممارسات لدى المزارعين، فضلاً عن تباين الظروف المناخية والمائية بين المناطق، مؤكدة أن هذه التحديات تُعالج من خلال التدريب الميداني والمتابعة الدائمة.
وأكدت أن هناك إمكانيات لتوسيع نطاق الزراعة التجديدية في سوريا، بشرط مراعاة خصوصية كل منطقة مناخياً وتربوياً ومن حيث الموارد، مع التركيز على تحسين صحة التربة وترشيد المياه واستغلال الموارد المحلية والإدارة المتكاملة للآفات.
ويأتي الحديث عن الزراعة التجديدية في ظل ضغوط متزايدة يواجهها القطاع الزراعي السوري بسبب شح المياه وتغير المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يزيد الحاجة إلى أساليب أكثر كفاءة في استخدام الموارد وقادرة على الحفاظ على خصوبة الأراضي واستدامة الإنتاج.