في حين يتصدر الهلال المشهد الهجومي في دوري المحترفين السعودي بعدما سجل 27 هدفاً خلال 9 مباريات، إلا أن الأرقام تخفي مفارقة لافتة؛ إذ صنع الفريق 57 فرصة محققة أهدر منها 35، وعلقت 13 كرة في القائمين أو العارضة. وتشير هذه المعطيات إلى أن كثرة المحاولات والوصول المتكرر إلى مرمى الخصوم لا تكفي لحسم النقاط مبكراً، وهو ما ظهر جلياً في الفوز الصعب على الحزم بهدف نظيف انتظر حتى الدقيقة 89.
ووفقاً لإحصاءات «سوفا سكور»، بلغت القيمة المتوقعة لأهداف الهلال 31.48 هدفاً في 9 مباريات، بينما سجل الفريق 27 هدفاً فعلياً، أي بفارق 4.48 هدف. هذا الفارق يبرز إمكانية تحسين استغلال الفرص المتاحة، على الرغم من تفوق الهلال على غيره في الإنتاج الهجومي.
وبمقارنة الهلال مع القادسية والأهلي، يتبين أنه يتصدر الفرق الثلاثة في صنع الفرص المحققة وإهدارها؛ إذ صنع 57 فرصة وأهدر 35، في حين صنع القادسية 51 فرصة وأهدر 33، وصنع الأهلي 43 فرصة وأهدر 28. وعلى الرغم من العدد الأكبر للفرص الضائعة لدى الهلال، فإن نسبة الإهدار لديه (61.4 في المائة) تظل أدنى من نسبة القادسية (64.7 في المائة) والأهلي (65.1 في المائة)، ما يشير إلى أن كثرة الفرص المهدرة تعود إلى كثرة ما يصنعه الفريق، وليس إلى تراجع كفاءته أمام المنافسين.
ولا تقتصر أفضليته على صناعة الفرص، بل تمتد إلى مؤشر الأهداف المتوقعة الذي بلغ 31.48 هدفاً للهلال، مقابل 24.54 للأهلي و23.70 للقادسية. ومع ذلك، سجل الهلال 27 هدفاً بفارق 4.48 أهداف عن المتوقع، بينما سجل الأهلي 23 هدفاً بفارق 1.54 هدف، وسجل القادسية 23 هدفاً بفارق 0.70 هدف، ما يجعل الفجوة بين الأهداف المتوقعة والفعلية لدى الهلال الأكبر بين الفريقين.
هذه الفروق لا تعني أن الهلال مطالب بتسجيل عدد معين من الأهداف، فمؤشر الأهداف المتوقعة يحسب احتمالات التسجيل بناءً على جودة المحاولات وظروفها، لكنه يقدم مؤشراً على مدى الاستفادة من الفرص، خاصة عندما يتكرر إهدارها في مباريات يسيطر فيها الفريق هجومياً.
وتُظهر مباراة الحزم نموذجاً صريحاً لهذه المعضلة؛ فقد سيطر الهلال على الكرة بنسبة 62 في المائة مقابل 38 في المائة للحزم، وصنع 7 فرص محققة مقابل فرصة واحدة لمنافسه، لكنه لم يحسم النتيجة إلا في الدقيقة 89 بهدف البرازيلي غابرييل مارتينلي.
وتؤكد بقية أرقام اللقاء سيطرة الهلال؛ إذ سدد لاعبوه 21 كرة مقابل 5 للحزم، منها 4 على المرمى مقابل تسديدتين للمنافس، كما نفذ 15 محاولة من داخل منطقة الجزاء مقابل محاولتين فقط للحزم، ما يعكس وصولاً متكرراً إلى مناطق التسجيل دون استثمار معظم تلك المحاولات.
وامتد التفوق إلى الركلات الركنية، حيث حصل الهلال على 10 ركلات مقابل لا شيء للحزم، واصطدمت تسديدتان هلاليتان بالقائمين أو العارضة دون أي تسديدة مماثلة من المنافس، وأهدر الهلال 6 فرص محققة مقابل فرصة واحدة للحزم، لتكتمل صورة مباراة هيمن فيها الهلال هجومياً لكنها انتهت بهدف واحد.
وتبلغ الفرص الست المهدرة أمام الحزم نحو 17.1 في المائة من إجمالي الفرص الكبيرة الضائعة (35) خلال 9 مباريات، بينما تشكل الفرص السبع التي صنعها نحو 12.3 في المائة من إجمالي فرصه (57)، ما يعني أن المباراة شهدت إنتاجاً هجومياً أعلى من متوسط الفريق البالغ 6.33 فرصة محققة في المباراة.
وتدعم حصيلة الكرات التي اصطدمت بإطار المرمى هذه القراءة؛ إذ بلغ عددها 13 كرة للهلال في 9 مباريات، مقابل 11 للاتحاد، مع احتمال تداخل هذه المحاولات مع الفرص الكبيرة المهدرة في التصنيف الإحصائي.
ومع هذه الأرقام، يظل الهلال متقدماً تهديفياً على منافسيه المذكورين؛ إذ سجل 27 هدفاً مقابل 23 للأهلي ومثلها للقادسية و19 للنصر، بمعدل 3 أهداف في المباراة. وتؤكد هذه الحصيلة أن الفريق لا يعاني من عجز هجومي شامل، بل لديه مجال لتحسين الفاعلية مقارنة بعدد الفرص وجودتها.
دفاعياً، استقبل الهلال 7 أهداف في 9 مباريات، وهي الحصيلة ذاتها للنصر، بينما استقبل نيوم 8 أهداف والاتحاد 9 أهداف، ما يظهر توازناً بين قدرة الفريق على التسجيل والحفاظ على شباكه.
لكن هذا التوازن لا يزيل المخاطر الناجمة عن تأخر التسجيل؛ فالفريق الذي يصنع 7 فرص محققة ويهدر 6 منها، كما حدث أمام الحزم، يُبقي منافسه في أجواء المباراة حتى الدقائق الأخيرة، ويمنحه فرصة تحقيق نتيجة إيجابية رغم قلة محاولاته الهجومية.
وبالنسبة للمدرب الإيطالي سيموني إنزاغي، تضع هذه المعطيات جودة اللمسة الأخيرة في صدارة الملفات الفنية، خاصة أن المنظومة الهجومية تنجح في الوصول بالكرة إلى مناطق الخطر، لكنها تحتاج إلى تحسين القرار عند التسديد والتمرير والتحرك داخل منطقة الجزاء، ما قد يحول عدداً أكبر من الفرص إلى أهداف.
وقد يؤثر تكرار إهدار الفرص في قرارات اللاعبين مع الوقت، إذ تتحول الرغبة في التسجيل إلى استعجال أمام المرمى، ما يجعل الحفاظ على الهدوء وتنويع الخيارات الهجومية أمراً بالغ الأهمية في المباريات التي يتراجع فيها الخصم دفاعياً.
وفي سياق هذه الأرقام، شهدت مباراة الحزم تطوراً لافتاً تمثل في عودة قائد الهلال سالم الدوسري إلى الملاعب بعد غياب للإصابة، حيث أشركه إنزاغي في الوقت بدل الضائع، في خطوة تعد بداية عودته التدريجية إلى أجواء المنافسات.
ولم تكن مشاركة الدوسري القصيرة كافية لتقييم أثره الفني، خاصة أنها جاءت بعد تسجيل هدف الفوز، لكنها تمنح الجهاز الفني خياراً إضافياً في الفترة المقبلة، بالنظر إلى خبرة اللاعب وقدرته على التعامل مع المساحات الضيقة والمواجهات الفردية وصناعة الحلول الهجومية.
وقد تمثل عودته إضافة مهمة في المباريات التي يتطلب فيها الهلال تنويع أساليب الوصول إلى المرمى، لكن معالجة إهدار 35 فرصة محققة خلال 9 مباريات تظل مسؤولية جماعية تتجاوز تأثير أي لاعب.
ويواجه إنزاغي تحدياً يتمثل في الحفاظ على القوة الهجومية التي جعلت الهلال يصنع 57 فرصة محققة ويتفوق على الأهلي والقادسية في الأهداف المتوقعة، مع تحسين استثمار تلك الفرص، دون المساس بالتوازن الدفاعي الذي أبقى عدد الأهداف المستقبلة عند 7.
ولا تدل هذه الإحصاءات على أزمة هجومية بالمعنى التقليدي؛ فالهلال يسجل أهدافاً أكثر من منافسيه المذكورين ويصنع فرصاً محققة بانتظام، لكنها تكشف فجوة بين التفوق في صناعة الفرص والتفوق في استثمارها، وهي فجوة قد تزداد تأثيراً مع ارتفاع صعوبة المباريات وتراجع عدد الفرص المتاحة.
وهكذا، خرج الهلال من مباراة الحزم بثلاث نقاط ثمينة وعودة قائده سالم الدوسري، لكنه خرج أيضاً بأرقام تستحق المراجعة؛ إذ أكدت المباراة أن السيطرة على الكرة والتفوق في التسديدات وصناعة الفرص لا تضمن حسم النتيجة مبكراً.