بعد أسابيع من بدء العام الدراسي، قد يسمع الوالدان من معلمي طفلهما شكاوى لم يتوقعاها، عن شجاره المتكرر مع زملائه أو مقاطعته للمعلم أثناء الدرس. ولأن هذه التصرفات لا تشبه الطفل الهادئ والمطيع الذي يعرفانه في المنزل، قد يصعب عليهما تصديق أن الحديث يدور عن طفلهما. فما الذي يدفع هذا الطفل الوديع إلى التصرف على نحو مختلف في المدرسة؟
يتغير سلوك الطفل باختلاف الموقف والبيئة المحيطة به. فقد يكون هادئا في المنزل، ثم يتحول إلى طفل كثير الحركة في عيد ميلاد صديقه، أو أثناء زيارة جديه، أو في تمرين النادي.
والعكس صحيح أيضا؛ إذ تلاحظ بعض الأمهات أن أطفالهن يلتزمون الهدوء في المدرسة، لكنهم يتصرفون بطريقة مختلفة تماما فور عودتهم إلى المنزل.
يفسر موقع "تشايلد مايند" (Child Mind) هذا التباين بأن كثيرا من الأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، أو صعوبات التعلم، أو التوحد، يبذلون جهدا كبيرا في المدرسة للالتزام بالتعليمات والتكيف مع زملائهم.
وقد يحاولون كبح بعض سلوكياتهم، مثل التململ والحركة المستمرة أو التصرف باندفاع، تجنبا للفت الانتباه أو التعرض لأحكام الآخرين. لكن الحفاظ على هذا الانضباط يتطلب منهم جهدا متواصلا، يحتاجون إلى التنفيس عنه عندما يعودون إلى بيئة يشعرون فيها براحة أكبر.
وثمة تفسير آخر يتعلق بطبيعة البيئة المدرسية نفسها. فالمدرسة، بما تفرضه من قواعد وروتين يومي واضح، توفر للأطفال بيئة منظمة يمكن توقع ما سيحدث فيها، وهو ما قد يساعدهم على الشعور بالأمان والاستجابة للتوقعات السلوكية.
أما المنزل، فلا يخضع بالضرورة للقدر نفسه من التنظيم والروتين، مما يمنح الطفل مساحة أوسع للتصرف بعفوية واختبار الحدود.
كذلك، تتيح البيئة المنزلية للطفل فرصا أكبر للتعلم من أخطائه، إذ يستطيع الوالدان التفاوض معه ومنحه وقتا إضافيا لتعديل سلوكه. أما في المدرسة، فتفرض ضيق الوقت ومتطلبات الصف حدودا على هذه المرونة؛ إذ يتوقع من التلاميذ الالتزام بالتعليمات والاستجابة لها في وقت محدد، وتكون عواقب السلوكيات غير المقبولة أكثر وضوحا.
ولا يقل الشعور بالأمان العاطفي أهمية عن هذه العوامل. فالطفل يشعر في المنزل بأنه محبوب، وأن حب والديه ودعمهما لا يتوقفان على حسن تصرفه في كل الأوقات.
وقد تمنحه هذه الثقة مساحة للتعبير عن مشاعره وإظهار انفعالاته، حتى في أكثر لحظاته صعوبة. أما في المدرسة، فقد يشعر بأنه مطالب بالسيطرة على سلوكه باستمرار حتى يحظى بقبول المعلمين والأقران، فيبذل جهدا أكبر لإخفاء ما يواجهه من صعوبات.
في المقابل، هناك أطفال يبدون هادئين في المنزل، لكنهم يتصرفون بطريقة مختلفة في المدرسة.
قد يفاجأ الوالدان بشكوى المعلم من تشتت الطفل المتكرر، أو إزعاجه لزملائه، أو عدم التزامه بالقواعد. لكن هذا السلوك لا يعني بالضرورة أنه يتعمد تحدي الكبار أو أنه يستحق العقاب؛ فالسلوك، قبل كل شيء، وسيلة يعبر بها الطفل عن مشاعره واحتياجاته. وعندما يتصرف على نحو غير مألوف، فإن الخطوة الأولى هي محاولة فهم ما يدفعه إلى ذلك.
في الغالب يشعر هؤلاء الأطفال بالأمان في المنزل، ويصابون بالقلق والتشتت في المدرسة. إذ تعتمد بيئة المنزل على المتابعة الفردية، والمرونة فيما يتعلق باحتياجات وطبيعة الطفل، بينما تعتمد المدرسة على المتابعة الجماعية وتتطلب الالتزام بالتعليمات وانتظار الدور والحفاظ على التركيز لفترة أطول، وهو ما قد يزعج بعض الأطفال، كما يشير موقع "الكوميرثيو" (elcomercio).
فالطفل كثير الحركة، مثلا، قد يحتاج إلى فترات راحة تتخللها أنشطة بدنية، فيما قد يحتاج طفل آخر يجد صعوبة في التكيف مع التغييرات إلى معرفة ما ينتظره مسبقا، حتى يتمكن من الاستعداد لما هو مطلوب منه.
وعندما لا يجد الأطفال من يساعدهم على تلبية هذه الاحتياجات في المدرسة، قد تظهر الصعوبة في صورة سلوكيات يراها المعلم مزعجة أو مخالفة للقواعد.
وبالمثل، قد لا تكون مقاطعة المعلم أثناء الشرح سوى محاولة لجذب الانتباه، أو تعبيرا عن الخوف من الفشل أو الشعور بالتعب. وقد يقاطع الطفل الدرس أيضا لأنه يشعر بالخجل أو القلق، أو يحاول صرف الانتباه عن مهمة يجدها صعبة، مثل القراءة بصوت عال أمام زملائه.
ولا تقتصر الأسباب المحتملة على ذلك؛ فقد يكون وراء تغير سلوك الطفل تعرضه للتنمر، أو دخوله في خلافات مع أقرانه، أو مواجهته صعوبات في التعلم. لذلك، فإن فهم ما يحدث يتطلب التريث والنظر إلى الظروف المحيطة بالطفل، بدلا من التسرع في الحكم عليه أو الاكتفاء بمعاقبته، مع محاولة تحديد احتياجاته وما قد يساعده على الشعور بالراحة والتكيف داخل المدرسة.
سواء في المنزل أو المدرسة، تساعد ملاحظة ما يسبق السلوك وما يليه على فهم أسبابه واختيار الطريقة الأنسب للتعامل معه. ينصح الخبراء بمراقبة الظروف التي يظهر فيها الشغب: هل يبدأ عند تكليف الطفل بمهمة ما؟ وهل يتوقف حين يحظى باهتمام المعلم أو ينجح في تجنب نشاط لا يرغب فيه؟
وقد لا يكون السلوك مشكلة بحد ذاته، بل نتيجة قلة النوم أو عدم الحصول على تغذية كافية، ما يؤثر في تركيز الطفل وقدرته على التحكم في اندفاعاته. كما قد يسهم الإفراط في استخدام الشاشات في صعوبة تحمل الأنشطة التي تتطلب تركيزا مطولا.
وينبغي أيضا استبعاد مشكلات السمع والبصر، ومراعاة الظروف العائلية، مثل انفصال الوالدين أو فقد أحدهما، إلى جانب التغيرات الخارجية، كالانتقال إلى منزل جديد أو المرور بضائقة مالية، التي قد تؤثر في تركيز الطفل وقدرته على تنظيم مشاعره.
يساعد تحديد هذه العوامل على فهم السلوك بوصفه استجابة لظروف يمكن التعامل معها. أما إذا استمر دون سبب واضح، أو أعاق تعلم الطفل، فقد يكون من الضروري استشارة متخصص لتقييم الوضع وتحديد التدخل المناسب.
مساعدة الأطفال على التكيف والتنظيم الذاتي تدعم سلوكا متوازنا في المنزل والمدرسة، ولتحقيقه يمكن عمل ما يلي:
في طريق الحل يظل التواصل بين البيت والمدرسة ضروريا جدا لتحديد المشكلات ومواجهتها، كما أن العنصر الأكثر أهمية هو الطفل الذي يعاني من المشكلة، فإشراكه في الحل والتركيز على نقاط قوته واهتماماته يحقق التغيير المطلوب.