تخطّي إلى المحتوى
الخميس، 22 أكتوبر 2026
عاجل
سعيد حسنين: استراتيجية الدولة في التنمية العمرانية تعتمد على فلسفة متكاملة للنقل عصمت: الفقد الفني للكهرباء 4% وسرقة التيار أقل من 7% واشنطن تحظر خدمات DeepSeek على أنظمة الوكالات المدنية الفيدرالية نوكيا تحقق أرباحًا تشغيلية قياسية في الربع الثالث مدعومة بطلب الذكاء الاصطناعي أسعار العملات الأجنبية والعربية مقابل الجنيه المصري اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 كورتوا: ريال مدريد يدخل الكلاسيكو بثقة وهدفنا تقليص الفارق مع برشلونة كلوب بروج يهزم لانس بثلاثية في دوري أبطال أوروبا متى تستدعي مشكلات الذاكرة القلق؟ الأهلي يتعادل مع القناة 3-3 في الوقت بدل الضائع هشام يدعو وائل جمعة إلى تجاوز الجدل سعيد حسنين: استراتيجية الدولة في التنمية العمرانية تعتمد على فلسفة متكاملة للنقل عصمت: الفقد الفني للكهرباء 4% وسرقة التيار أقل من 7% واشنطن تحظر خدمات DeepSeek على أنظمة الوكالات المدنية الفيدرالية نوكيا تحقق أرباحًا تشغيلية قياسية في الربع الثالث مدعومة بطلب الذكاء الاصطناعي أسعار العملات الأجنبية والعربية مقابل الجنيه المصري اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 كورتوا: ريال مدريد يدخل الكلاسيكو بثقة وهدفنا تقليص الفارق مع برشلونة كلوب بروج يهزم لانس بثلاثية في دوري أبطال أوروبا متى تستدعي مشكلات الذاكرة القلق؟ الأهلي يتعادل مع القناة 3-3 في الوقت بدل الضائع هشام يدعو وائل جمعة إلى تجاوز الجدل

خالد مجاور.. حين تكون القيادة تواضعًا لا منصبًا

22 أكتوبر 2026 14 د للقراءة 2
خالد مجاور.. حين تكون القيادة تواضعًا لا منصبًا

كتبت من قبل منتقدًا أداء بعض المحافظين، وفي مقدمتهم محافظ قنا، انطلاقًا من إيماني بأن النقد حق وواجب حين يستدعي الأمر ذلك، لكن العدالة تقتضي أن نذكر الوجه الآخر أيضًا، وأن نشيد بالأداء الجيد والقيادات الواعدة أينما وجدناها، فالإنصاف لا يكتمل برصد السلبيات وحدها، وإنما بالاعتراف بالإيجابيات كذلك.

وليست كل مواقف القيادة تُصنع في غرف الاجتماعات، ولا تُقاس هيبة المسؤول بعدد السيارات التي تسبقه، أو أفراد الحراسة الذين يحيطون به، أو المسافة التي تفصله عن الناس، أحيانًا، تكشف مصادفة عابرة في مطعم عن جانب من شخصية المسؤول، وتقول عن أسلوبه في القيادة ما قد لا تقوله عشرات البيانات الرسمية.

قرأت خبرًا على الصفحة الرسمية لمحافظة شمال سيناء عن استقبال اللواء الدكتور خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، وفد القافلة الطبية لجامعة الأزهر بديوان عام المحافظة، في إطار التعاون المشترك لدعم المنظومة الصحية وتوفير الخدمات الطبية لأهالي المحافظة، خاصة في مركز ومدينة نِخِّل والتجمعات التابعة له.

كان لقاءً رسميًا في إطار مهمة إنسانية وطبية، لكن ما علمته عن أحد المواقف التي أعقبت اللقاء هو ما استوقفني ودفعني إلى الكتابة، فبعد انتهاء زيارة الوفد للمحافظ، توجه أعضاؤه إلى أحد مطاعم مدينة العريش لتناول الغداء، وبينما كانوا يجلسون إلى مائدتهم، فوجئوا، وبمحض الصدفة، بدخول المحافظ إلى المطعم.. دخل اللواء خالد مجاور بمفرده، بلا حراسة ترافقه، ولا بروتوكولات تحيط به، ولا مظاهر رسمية تفصله عن رواد المكان، ثم جلس إلى مائدة بجوار الموائد التي يجلس إليها رواد المطعم، ليتناول غذاءه في بساطة وتلقائية.

كان المحافظ قد التقى الوفد قبل نحو ساعة في ديوان عام المحافظة، ولم يكن ثمة ترتيب مسبق لهذا اللقاء الجديد، ولا كان أعضاء القافلة يتوقعون أن يجمعهم بالمحافظ لقاء آخر، فضلًا عن أن يتلقى الوفد منه مجاملة شخصية، لكن المحافظ لمح أعضاء الوفد على مائدة قريبة، فبادر إلى الترحيب بهم على طريقته، ثم جاءهم مدير المطعم ليبلغهم بأن السيد المحافظ يعتبرهم ضيوفه، وأن الغداء على نفقته.

لم تكن دعوة مرتبة سلفًا، ولا مشهدًا أُعد لالتقاط الصور، ولا مناسبة رسمية أضيفت إلى جدول الزيارات، بل كانت مصادفة جمعت المحافظ بأشخاص التقاهم قبل قليل، فجاء تصرفه عفويًا، يحمل من البساطة والتقدير أكثر مما تحمله المجاملات البروتوكولية.

وبحسب ما علمت، لم يقتصر دعم المحافظ للقافلة على هذه اللفتة، بل وفر لأعضائها الإقامة والإعاشة، وقدم التسهيلات اللازمة لأداء مهمتهم الطبية في مركز ومدينة نِخِّل والتجمعات التابعة له.

قد يقول قائل إن الأمر لا يتجاوز وجبة غداء، وإن الضيافة من شيم المصريين، وهذا صحيح، لكن قيمة الموقف ليست في ثمن الوجبة، وإنما في دلالته، وفي توقيته، وفي طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين مسؤول يستضيف وفدًا رسميًا، ثم يلتقيه مصادفة، فيتعامل معه ببساطة الإنسان الذي يقدر جهد الآخرين، لا بصرامة المنصب الذي يشغله، فالوفد الذي كان يضم كبار الأطباء وأساتذة جامعة الأزهر وكوادر هامة من إدارتها لم يكن ينتظر هذه المجاملة، ولم يذهب إلى شمال سيناء من أجلها، فقد ذهبت القافلة ومعها أجهزتها ومعداتها الطبية وصيدليتها التي توفر الأدوية المجانية للمرضى، بمشاركة نخبة من أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب لتوقيع الكشف الطبي في مختلف التخصصات، وأساتذة كلية الصيدلة للمساهمة في مراجعة الوصفات الدوائية، وتقديم الإرشادات المتعلقة بالاستخدام الآمن والرشيد للأدوية، إلى جانب أساتذة كلية التجارة وإدارة الأعمال، الذين يسهم دورهم في الجوانب التنظيمية والإدارية، وتطوير آليات إدارة القافلة وتقييم أدائها بما يعزز كفاءتها ويضمن وصول خدماتها إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.. جميعهم ذهبوا لأداء واجب طبي، وطني وإنساني، وتحمل أعضاؤه مشقة الانتقال والعمل في منطقة تختلف ظروفها وإمكاناتها عن كثير من المدن الكبرى، لكن المحافظ، بهذا التصرف، أضاف إلى تقدير الواجب معنى آخر؛ معنى الود والاحترام والتقدير، وهو معنى لا يقل أهمية عن توفير وسائل العمل والإقامة.

وهنا تكمن دلالة الحكاية؛ فالمسؤول لا يدعم فريق العمل فقط عندما يوفر له الإمكانات، وإنما يدعمه أيضًا عندما يشعر أفراده بأن جهدهم مرئي، وأن مشقتهم مقدرة، وأنهم موضع احترام، وهذا النوع من التعامل يضيف بعدًا جديدًا إلى روح فريق العمل؛ بعدًا إنسانيًا يجعل العلاقة تتجاوز حدود الواجب الرسمي إلى الشعور بالتقدير المتبادل، وقد لا يظهر أثر هذا البعد في تقرير إداري، لكنه قد ينعكس على حماسة الفريق، وشعوره بالانتماء إلى المهمة، واستعداده لبذل مزيد من الجهد.

والذين يعملون في القوافل الطبية، خصوصًا في المناطق النائية والأقل إمكانات، يعرفون جيدًا أن المهمة لا تنتهي عند إعداد الأجهزة والأدوية، ولا عند توقيع الكشف على المرضى.. هناك مشقة السفر، وتغيير ظروف العمل المعتادة، والتعامل مع احتياجات قد تكون أكبر من الإمكانات المتاحة، فضلًا عن المسؤولية المهنية والإنسانية تجاه مواطن ربما لا تتوافر له فرص الحصول على الخدمة الطبية بسهولة.

ولذلك، فإن تقدير هؤلاء لا ينبغي أن يكون مجاملة عابرة، بل ثقافة إدارية وإنسانية أصيلة.. وحين تصدر هذه الثقافة عن رأس الجهاز التنفيذي في المحافظة، فإنها تقدم رسالة تتجاوز الأشخاص الذين شملهم الموقف، لتصل إلى كل من يعمل في خدمة المواطنين: أن جهدكم مقدر، وأن الدولة لا تحتاج إلى خدماتكم فحسب، بل ينبغي أن تحترم من يقدمونها أيضًا.

ولعل من المفيد هنا أن نتوقف قليلًا عند شخصية اللواء الدكتور خالد مجاور، وأن نقرأ هذا الموقف في سياق مسيرته القيادية، لا باعتباره واقعة منفصلة عن طبيعة المسؤول الذي صدر عنه؛ فاللواء أركان حرب الدكتور خالد مجاور ليس وافدًا إلى المسؤولية العامة من مسار إداري تقليدي، وإنما جاء إلى منصب المحافظ بعد مسيرة طويلة في القوات المسلحة، تقلد خلالها مواقع قيادية وأمنية وعسكرية رفيعة، وارتبط جانب مهم من خبرته بمحافظة شمال سيناء نفسها.

فقد عمل ملحقًا عسكريًا بالسفارة المصرية في واشنطن، وتولى رئاسة أركان الجيش الثاني الميداني، ثم قيادة الجيش الثاني الميداني في مايو 2017؛ وفي سبتمبر عام 2018م، عُين نائبًا لمدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، ثم تولى إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع في ديسمبر من العام نفسه. وفي عام 2021م، تولى رئاسة هيئة الاستخبارات العسكرية، كما شغل منصب مساعد وزير الدفاع للشؤون الخارجية، قبل أن يؤدي اليمين الدستورية محافظًا لشمال سيناء في يوليو 2024.

وهذه محطات ليست هينة في مسيرة أي قائد؛ فهي تنتمي إلى مواقع تتطلب الانضباط، ودقة التقدير، والقدرة على التعامل مع الملفات المعقدة، وتحمل المسؤولية في ظروف شديدة الحساسية. كما أن العمل ملحقًا عسكريًا في الخارج يضيف إلى الخبرة العسكرية بُعدًا يتعلق بالتواصل مع المؤسسات الدولية وفهم المصالح والعلاقات بين الدول.

لكن المحطة التي أراها ذات دلالة خاصة في قراءة تجربته هي ارتباطه الطويل بشمال سيناء. ففي تصريحات صحفية حديثة، تحدث المحافظ عن خدمته في سيناء منذ عام 1983 وحتى عام 2018، قبل انتقاله إلى مواقع قيادية أخرى في القوات المسلحة؛ وهذا يعني أن علاقته بالمحافظة ليست مجرد تكليف إداري بدأ يوم حلف اليمين، وإنما تمتد إلى سنوات طويلة من المعرفة بطبيعة المنطقة وتحدياتها.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين طبيعة القيادة العسكرية وطبيعة الإدارة المدنية؛ فلكل منهما أدواتها ومتطلباتها. لكن الخبرة العسكرية الطويلة، حين تُحسن الاستفادة منها في العمل التنفيذي، يمكن أن تمنح المسؤول قدرة على التخطيط، والانضباط، وإدارة الأزمات، وتنسيق الجهود. ويظل التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الخبرة إلى إدارة تستوعب احتياجات المجتمع، وتقدر دور المؤسسات المدنية، وتستطيع أن تجمع بين الحسم والمرونة، وبين اتخاذ القرار والاستماع إلى الآخرين.

واللواء خالد مجاور، بما يحمله من خلفية عسكرية وخبرة طويلة في ملفات سيناء، يتولى مسؤولية في محافظة لها خصوصية استثنائية في تاريخ مصر الحديث. فقد عانت شمال سيناء سنوات قاسية من الإرهاب والعنف، وواجه أبناؤها وأجهزتها الأمنية والعسكرية ظروفًا بالغة الصعوبة، وقدمت مصر تضحيات كبيرة في مواجهة التنظيمات الإرهابية، فيما تحمل السكان آثارًا قاسية طالت تفاصيل حياتهم اليومية.

وفي مثل هذه المحافظة، لا تنتهي مسؤولية الدولة عند مواجهة الإرهاب واستعادة الأمن، على أهمية ذلك وضرورته، بل تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، عنوانها التنمية، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص الحياة الكريمة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالأمن يحمي المجتمع من الخطر، لكن التنمية تمنحه أسباب الاستقرار، والخدمات الجيدة تجعل حضور الدولة محسوسًا في حياة الناس، والاحترام المتبادل يعزز الشعور بالشراكة والانتماء.

لذلك فإن حركة التنمية شهدت تطورا غير مسبوق في شمال سيناء ، وتتركز أبرز الملفات والإنجازات المرتبطة بفترة تولي اللواء الدكتور خالد مجاور منصب محافظ شمال سيناء، منذ يوليو 2024 وحتى أكتوبر 2026، في متابعة مشروعات البنية التحتية، وتطوير المرافق والخدمات، ودفع جهود التنمية الاقتصادية والعمرانية بالمحافظة، إلى جانب إدارة ملف المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ ففي قطاع النقل، برزت عودة تشغيل خط السكة الحديد في سيناء ووصول القطارات إلى بئر العبد بعد توقف استمر عقودًا، بما يدعم ربط شمال سيناء ببقية أنحاء الجمهورية ويسهم في نقل الركاب والبضائع.

كما يجري العمل على تطوير ميناء العريش البحري، وهو مشروع استراتيجي يستهدف تعزيز التجارة والتصدير والنشاط اللوجستي، وقد أُشير في تصريحات صحفية للمحافظ في يونيو 2026 إلى استثمارات معلنة للمشروع تبلغ نحو ثلاث مليارات جنيه، مع الإشارة إلى أن أعمال التطوير لم تكن قد اكتملت بالكامل؛ وشملت الجهود كذلك تحسين الطرق والمحاور الرئيسية، وإصلاح أجزاء من الطريق الدولي الساحلي، ووضع علامات تحذيرية ومطبات للسلامة المرورية، واستمرار أعمال رفع الكفاءة والازدواج في قطاعات من الطرق.

وفي قطاع الصحة والتعليم، تضمنت الملفات المعلنة متابعة تطوير مستشفى العريش العام والوحدات الصحية، والعمل على مشروعات جامعية، من بينها الجامعة التكنولوجية والجامعة الأزهرية والمستشفى الجامعي، مع استمرار تنفيذ بعض هذه المشروعات، وفي ملف الإسكان وإعادة إعمار رفح، تواصلت متابعة مشروع مدينة رفح الجديدة وتسكين الأسر، إلى جانب إعلان طرح وحدات سكنية وتخصيص أولويات لأهالي رفح والشيخ زويد وأسر الشهداء والمصابين، وذلك في إطار البرنامج الأوسع للدولة لإعادة الإعمار والتنمية.

وفي مجال المياه والبنية الأساسية، شملت المتابعة مشروعات مياه الشرب والتحلية والمرافق، ومنها محطة التحلية الكبرى في منطقة الكيلو 17 بالعريش، إلى جانب أعمال الطرق والكهرباء والإنارة وتحسين البيئة، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المشروعات تشارك في تنفيذها جهات حكومية متعددة. ومن الملفات البارزة أيضًا تطوير كورنيش العريش باعتباره متنفسًا عامًا ووجهة سياحية محتملة، بالتوازي مع جهود رقمنة الخدمات الحكومية وتطوير المراكز التكنولوجية لتيسير حصول المواطنين على الخدمات؛ وعلى الصعيد الإنساني، برز دور المحافظة في تنسيق الحركة اللوجستية لشاحنات المساعدات التي تصل إلى العريش، وتنظيم التعامل معها ونقلها إلى المنطقة اللوجستية برفح، في سياق الدور المصري في استقبال المساعدات الإنسانية وتيسير وصولها إلى قطاع غزة؛ وقد تحدث المحافظ في أبريل 2025م عن استثمارات ومشروعات للدولة في سيناء تجاوزت 700 مليار جنيه، وكل ذلك يعكس الدور التنفيذي المباشر للمحافظ اللواء خالد مجاور في متابعة المشروعات القومية التي تنفذها الدولة بمؤسساتها المختلفة في شمال سيناء، والتنسيق بين الجهات الحكومية والتعامل مع مشكلات المواطنين، ولاشك أن لكل هذه الجهود انعكاسا تنمويا على حياة المواطن السيناوي. ولذلك، فإن وصول قافلة طبية إلى نِخِّل والتجمعات التابعة لها ليس مجرد نشاط طبي عابر؛ إنه جزء من معادلة أوسع، تقوم على أن تصل الخدمات إلى المواطنين أينما كانوا، وألا تتحول المسافة الجغرافية أو محدودية الإمكانات إلى عائق أمام حقهم في الرعاية الصحية.ومن هنا، فإنني أرى أن تقدير جهد القافلة الطبية، وتوفير الدعم اللازم لها، والتعامل مع أعضائها بهذه البساطة، أمور تستحق الإشادة؛ لأنها تذكرنا بأن القيادة ليست مجرد قدرة على إصدار الأوامر، وإنما قدرة على توجيه الإمكانات نحو هدف مشترك، وبناء علاقات عمل تقوم على الاحترام المتبادل.وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون بين المحافظات والجامعات المصرية. فالمحافظ لا يستطيع وحده أن يوفر كل الخبرات الطبية والعلمية التي يحتاج إليها المواطنون، كما أن الجامعة، مهما بلغت إمكاناتها، تحتاج إلى شراكة فعالة مع الأجهزة التنفيذية حتى تتمكن من الوصول إلى الفئات والمناطق المستهدفة، وهنا يأتي دور جامعة الأزهر، التي تؤدي إسهامًا مهمًا في القوافل الطبية والعمل المجتمعي، مستفيدة من خبراتها الأكاديمية والطبية، ومن كوادرها المتخصصة، لتقديم خدمات تصل إلى مناطق تحتاج إلى مزيد من الدعم؛ فالجامعات ليست مؤسسات تمنح الشهادات العلمية فحسب، ولا ينبغي أن يقتصر تقييم دورها على ما يجري داخل قاعات الدراسة والمستشفيات الجامعية. إنها مخزون وطني من المعرفة والخبرة، ويمكنها أن تكون شريكًا فاعلًا في مواجهة مشكلات المجتمع، من الصحة والتعليم إلى البيئة والتنمية المحلية.والمحافظ الذي يحسن استثمار إمكانات الجامعات لا يقدم خدمة إضافية للمواطنين فحسب، بل يوسع قدرة الدولة على أداء مسؤولياتها، ويحول الموارد والخبرات المتاحة إلى نتائج عملية؛ وهذه إحدى علامات الإدارة الجيدة: أن تعرف كيف تستفيد من إمكانات الآخرين، بدلًا من أن تكتفي بما هو متاح داخل حدود جهازها الإداري، وشمال سيناء، فإنها تحتاج إلى هذا النوع من التعاون أكثر من غيرها؛ نظرًا إلى اتساع المسافات، وتفاوت الإمكانات، وصعوبة الوصول إلى بعض التجمعات، والحاجة إلى خدمات طبية متخصصة تصل إلى المواطنين بدلًا من انتظار قدرتهم على الانتقال إلى المدن الكبرى.وأعتقد أن التجربة تستحق أن تتجاوز حدود القافلة الواحدة، لتصبح نموذجًا لشراكة مستدامة بين المحافظة وجامعة الأزهر، تشمل تحديد الاحتياجات الطبية بصورة دورية، وتوفير التخصصات الأكثر احتياجًا، ومتابعة الحالات التي تستلزم رعاية لاحقة، والاستفادة من الخبرات الجامعية في تدريب الكوادر وتطوير الخدمات الصحية، فالقافلة الناجحة ليست فقط تلك التي تنتهي بتقديم عدد كبير من الخدمات، وإنما تلك التي تترك أثرًا مستمرًا، وتفتح الطريق أمام تعاون يجعل الخدمة أكثر انتظامًا واستدامة.وأود هنا أن أوجه تحية تقدير خاصة إلى جامعة الأزهر على هذا الدور المتفوق في خدمة المجتمع، وعلى إدراكها أن رسالتها لا تتوقف عند التعليم والبحث العلمي، بل تمتد إلى تخفيف معاناة المواطنين، وتقديم الرعاية الطبية لمن يحتاجون إليها.ويستحق اهتمام الجامعة بهذا المسار أن يُذكر أيضًا في ضوء تخصيصها وحدة باسم «وحدة الإغاثة الإنسانية والدعم المستمر»، لتكون إحدى الأدوات المؤسسية التي تنظم هذا الدور وتعزز استمراره، كما أن دعم هذه الوحدة مؤخرًا بعيادات ووحدات فحص وتشخيص وتدخلات جراحية وطبية وصيدلية متنقلة يمثل خطوة مهمة نحو توسيع القدرة على الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا، ونقل جزء من الإمكانات الطبية والدوائية إلى المواطنين بدلًا من انتظار وصولهم إليها، وخاصة في حالات الكوارث والطوارئ، وهذه الوحدة هي الأولى وغير المسبوقة بين الجامعات المصرية، وهذه الوحدات المتنقلة ليست مجرد إضافة في المعدات أو وسائل الحركة؛ إنها تعبير عن فهم مؤسسي لمعنى الإغاثة والدعم، وعن محاولة لتحويل النوايا الإنسانية إلى قدرة عملية على التدخل والوصول والاستجابة.

وتزداد أهمية هذه الخطوة عندما تتكامل مع جهود المحافظات، فتتولى الجامعة توفير الخبرة والكوادر والإمكانات الطبية، بينما تقدم الأجهزة التنفيذية الدعم اللوجستي، وتحدد الاحتياجات، وتيسر الوصول إلى التجمعات المستهدفة، وعندئذ تصبح الشراكة أكثر قدرة على إحداث أثر حقيقي، وتتجاوز فكرة القوافل المتفرقة إلى بناء منظومة تعاون تخدم المواطنين على نحو أفضل.وإذا كان لي أن أعود إلى اللواء خالد مجاور، فإنني أرى أن قيمة الموقف الذي بدأت به المقال لا تكمن في أنه دفع ثمن غداء، ولا في أن مسؤولًا قدم مجاملة لضيوفه؛ فمثل هذه المواقف، على جمالها، لا تكفي وحدها للحكم على تجربة محافظ أو تقييم أدائه الكامل، إنما تكمن القيمة في الرسالة التي يمكن استخلاصها منه: أن المسؤولية لا تعني أن يكون الإنسان بعيدًا عن الناس، وأن الهيبة لا تتعارض مع التواضع، وأن تقدير الجهد لا يحتاج دائمًا إلى قرار رسمي أو مناسبة معلنة.إن دخول المحافظ إلى المطعم بمفرده، وجلوسه إلى مائدة بجوار رواد المكان، بعيدًا عن الحراسة والبروتوكولات، ثم مبادرته إلى تقدير وفد صادفه من دون ترتيب مسبق، يقدم صورة مختلفة عن العلاقة بين المسؤول ومن يعملون معه من أجل المواطنين.. صورة لا تلغي هيبة المنصب، وإنما تمنحها بُعدًا إنسانيًا.قد ينسى أعضاء القافلة تفاصيل اللقاء الرسمي بعد فترة، وقد تتشابه في ذاكرتهم أخبار الاستقبالات والزيارات التي يشاركون فيها خلال عملهم، لكن من الطبيعي أن يبقى للموقف العفوي أثر مختلف؛ لأنه نقل إليهم شعورًا بأن مشقتهم مفهومة، وأن وجودهم محل تقدير، وأن مهمتهم الإنسانية ليست شأنًا يخصهم وحدهم.تحية تقدير للواء الدكتور خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، على دعمه للقافلة الطبية لجامعة الأزهر، وعلى ما تكشف عنه هذه الواقعة من تقدير للجهد الإنساني، وبساطة في التعامل، واحترام لمن جاءوا إلى المحافظة لخدمة أهلها.وتحية خاصة لجامعة الأزهر، ولرئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمود صديق وكوادرها الطبية، على هذا الدور الذي يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية إلى خدمة المجتمع، وعلى تطوير أدوات الدعم والإغاثة الإنسانية بما يعزز قدرتها على الوصول إلى المحتاجين.ففي النهاية، قد لا يتذكر المواطن كل اجتماع عُقد في ديوان المحافظة، ولا تفاصيل كل بيان صدر عنها، لكنه يتذكر من ساعده في الوصول إلى خدمة يحتاج إليها، ومن احترم من جاءوا لخدمته، ومن أدرك أن التنمية ليست مشروعات تُقام فقط، بل علاقة تتكون بين الدولة والإنسان.وهذا، في ظني، هو الدرس الأهم في القيادة: أن تكون قويًا في تحمل المسؤولية، بسيطًا في التعامل، واعيًا بقيمة الآخرين، وأن تجعل هيبة المنصب وسيلة لخدمة الإنسان، لا حاجزًا يفصل بينهما.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن

أخبار ذات صلة

المزيد من سيارات
ضبط سائق ميكروباص تعدى على آخر بالجيزة سيارات

ضبط سائق ميكروباص تعدى على آخر بالجيزة

كشفت الأجهزة الأمنية ملابسات منشور تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي، تضمن تضرر القائم على النشر من قيام قائد سيارة "ميكروباص" بالتعدى عليه باستخدام سلاح أبيض بإحدى المناطق بالجيزة. صدى البلد : المصدر ضبط سائق ميكروباص تعدى على آخر بالجيزة

منذ ساعة
القبض على قائد سيارة صدم أخرى في الجيزة سيارات

القبض على قائد سيارة صدم أخرى في الجيزة

كشفت الأجهزة الأمنية ملابسات منشور مدعوم بصورة تم تداوله بمواقع التواصل الإجتماعى صدى البلد : المصدر القبض على قائد سيارة صدم أخرى في الجيزة

منذ ساعة
روسيا.. ابتكار محرك بلازما "أبدي" سيارات

روسيا.. ابتكار محرك بلازما "أبدي"

ابتكر باحثو معهد موسكو للطيران محرك بلازما "أبديا" لاستخدامه في الفضاء، يتميز بعمر افتراضي غير محدود نظرا لانعدام تآكل مكوناته.

منذ ساعتين
مؤرخة أوكرانية تسخر من رفض ميرتس القاطع لاستسلام أوكرانيا سيارات

مؤرخة أوكرانية تسخر من رفض ميرتس القاطع لاستسلام أوكرانيا

ردت المؤرخة الأوكرانية مارتا غافريشكو بسخرية على تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي أكد فيه رفضه القاطع لاستسلام أوكرانيا، داعية إياه لـ"صرف 70 مليار يورو إضافية للحرب".

منذ ساعتين