من أعلى قمة جبل المقطم، يقف مسجد صغير شاهدًا على حكاية كبيرة من تاريخ القاهرة، ليس فقط لأنه من أقدم المساجد التي شُيّدت بالحجر في المدينة، وإنما لاحتضانه مئذنة تُعد من أقدم المآذن الفاطمية القائمة في مصر، إنه مسجد زاوية الجيوشي، الذي يجمع بين روعة العمارة الإسلامية واسم رجل ارتبط عهده بإحدى أصعب الفترات التي مرت بها البلاد.
يرجع تاريخ بناء مسجد زاوية الجيوشي إلى عام 1085م، حين شيده الوزير الفاطمي بدر الدين الجمالي، وزير الخليفة المستنصر بالله، على حافة جبل المقطم خلف القلعة. وحمل المسجد اسمه نسبة إلى أمير الجيوش بدر الجمالي، المعروف أيضًا باسم أبي النجم بدر الجمالي.
كان بدر الجمالي مملوكًا من أصل أرمني، اشتراه جمال الدولة بن عماد، فنُسب إليه وعُرف باسم الجمالي. وتدرج في الخدمة حتى تولى إمارة دمشق عام 1062م، خلال عهد الخليفة المستنصر بالله في مصر، قبل أن يصبح أحد أبرز رجال الدولة الفاطمية.
لم يكن اسم بدر الجمالي مرتبطًا بالعمارة وحدها، بل ارتبط كذلك بمرحلة شديدة القسوة في تاريخ مصر، عُرفت باسم «الشدة المستنصرية»، حين فقد الخليفة المستنصر السيطرة على مقاليد الدولة، وضربت المجاعة البلاد، وانتشر الفساد والجوع والقتل والنهب.
أمام انهيار الأوضاع، استدعى الخليفة بدر الجمالي ومنحه صلاحيات واسعة لإعادة النظام. فواجه نفوذ جيوش المرتزقة، وحل تشكيلاتها، وأقام جيشًا نظاميًا مواليًا له، في محاولة لاستعادة هيبة الدولة وفرض الاستقرار.
وفي مواجهة الأزمة الزراعية والغذائية، أعلن الجمالي أن فلاحي مصر سيتمكنون من زراعة محاصيلهم وأكلها وبيعها دون دفع ضرائب لمدة خمس سنوات. ووفقًا للرواية التاريخية المتداولة، شجع هذا القرار الفلاحين على العودة إلى الزراعة، فاستعادت المحاصيل نشاطها وانحسرت المجاعة التي أنهكت البلاد.
وبالعودة إلى المسجد، فإن تاريخ إنشائه لم يظل مجرد رواية متناقلة، بل سُجل في نقش على لوحة رخامية تعلو عتبة المدخل الرئيسي، جاء فيها: «أنشأ هذه الزاوية مولى أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أمير الجيوش في المحرم من سنة 487هـ».
ويكشف هذا النقش عن ارتباط المسجد بعهد الخليفة المستنصر بالله وبالوزير بدر الجمالي، كما يمنح الزائر دليلًا ماديًا على تاريخ البناء، الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري.
على مدار عقود طويلة، ظل مسجد زاوية الجيوشي مقصدًا للباحثين والمهتمين بفنون العمارة الإسلامية، بفضل تصميمه المعماري المميز وموقعه المرتفع على جبل المقطم.
ولم تتوقف أهمية تصميمه عند حدود القاهرة، إذ يُقال إنه كان مصدر إلهام معماري في بناء ضريح أغاخان الثالث، الذي شُيّد عام 1959 على ربوة عالية تطل على نيل أسوان، ولا يزال قائمًا في موقعه حتى اليوم.
وهكذا، يحتفظ مسجد زاوية الجيوشي بمكانة تتجاوز كونه أثرًا فاطميًا قديمًا؛ فهو شاهد على مرحلة من تاريخ مصر اجتمعت فيها الأزمات السياسية والمجاعات والتحولات الكبرى، وعلى رجل ارتبط اسمه باستعادة قوة الدولة، قبل أن يخلّد ذكراه بمنشأة معمارية ما زالت تقف فوق قمة المقطم حتى اليوم.