تُعدّ الخطوة التي اتخذتها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني عبر إطلاق 15 فرصة استثمارية على منصّة «تطوير» في محافظتي مسقط والظاهرة، تحركاً استراتيجياً لتفعيل الأصول العقارية المتاحة وتحفيز الحركة الاقتصادية. وتبرز في هذا السياق أهمية التكامل بين التخطيط العمراني ومتطلبات التنمية، حيث يتم توجيه الموارد المكانية نحو مشاريع إنتاجية وخدمية تحقق منافع اقتصادية واجتماعية. وتُشكّل الأراضي، بفضل مواقعها ومقوماتها، أصولاً حيوية يمكن أن تسهم في إحياء الأسواق وجذب رؤوس الأموال وخلق فرص عمل، شريطة استغلالها الأمثل بما يتوافق مع خصوصية كل منطقة وإمكاناتها. وتكتسب هذه السياسات أهمية خاصة في ظل مساعي سلطنة عُمان لتنويع القاعدة الاقتصادية ورفع كفاءة استغلال الموارد، مما يجعل الاستثمار العقاري مساراً داعماً لتحقيق أهداف رؤية «عُمان 2040»، ويؤكد على دور التخطيط العمراني في تهيئة بيئة ملائمة لنمو الأنشطة الاقتصادية واستدامتها.
وتكتسب الفرص المطروحة أهمية إضافية نظراً لتنوع القطاعات المستهدفة وتوزيعها الجغرافي، إذ تشمل ولايات بوشر والعامرات وقريّات بمحافظة مسقط، إلى جانب ولايات عبري وينقل وضنك بمحافظة الظاهرة. ويهدف هذا التوزيع إلى استغلال الميزات النسبية والمقومات الاقتصادية الفريدة لكل محافظة؛ فبينما يمكن للمشاريع الصناعية والتجارية والزراعية في مسقط الاستفادة من البنية التحتية المتطورة وقربها من الأسواق والخدمات، تفتح المشاريع الزراعية والسياحية والترفيهية والخدمية في الظاهرة آفاقاً جديدة لتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية، وتوسيع نطاق الأنشطة الجاذبة للاستثمارات والتي تلبي احتياجات السكان والزوار. ويعكس هذا التنوع ضرورة توجيه الاستثمارات بما يتناسب مع طبيعة المكان واحتياجاته الفعلية، مما يساهم في تحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، والحفاظ على قدرتها على تطوير أنشطتها الاقتصادية واستثمار مواردها المحلية. كما أن توسع رقعة الاستثمار خارج المراكز التجارية التقليدية يفتح المجال أمام نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويوفر لها فرصاً للاستفادة من المشاريع الجديدة والأنشطة المكملة لها.
وتتجلى أهمية هذه الطروحات أيضاً في تعزيز دور القطاع الخاص في إنشاء المشاريع وتطويرها وإدارة وتشغيل المرافق، مما يتيح له توظيف خبراته التمويلية والفنية والإدارية في رفع كفاءة الأصول المتاحة. ويمنح هذا التوجه الأنشطة الاقتصادية زخماً للنمو من خلال توليد الطلب على المنتجات والخدمات والأعمال المساندة. وتحظى المشاريع الزراعية بأهمية خاصة في ضوء التوجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتبني التقنيات الحديثة لرفع الإنتاجية وترشيد استهلاك الموارد، وهو ما يدعم جهود الأمن الغذائي ويوسع آفاق الاستثمار في القطاع الزراعي وسلاسل الإمداد المرتبطة به. وتلعب منصّة «تطوير» دوراً محورياً في تعزيز هذا التوجه من خلال تنظيم عرض الفرص وتسهيل وصول المستثمرين إليها، مما يضمن وضوح الإجراءات ويسهل اتخاذ القرارات الاستثمارية، مؤكداً على أهمية التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص لتحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية وقيمة مضافة.
وتتحدد القيمة الحقيقية لهذه الفرص بمدى نجاحها في الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مراحل التنفيذ والتشغيل، والأثر الملموس الذي تحققه في الاقتصادات المحلية. فزيادة عدد المشاريع المطروحة مؤشر على اتساع آفاق الاستثمار، غير أن نجاحها يبقى مرهوناً بجودة الدراسات الاقتصادية، وتوفر البنية التحتية، وسهولة الإجراءات الإدارية، وقدرتها على الاستمرارية والمنافسة. ويستلزم ذلك مواصلة العمل على تحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز التكامل بين التخطيط العمراني والاحتياجات الاقتصادية للمحافظات، مع التركيز على قياس العوائد التنموية من خلال مؤشرات مثل فرص العمل، والقيمة المحلية المضافة، وحجم الأنشطة الاقتصادية الناشئة حول هذه المشاريع. ويهدف ذلك إلى ضمان التوازن بين مصالح المستثمرين واحتياجات المجتمعات المحلية، وتعزيز دور الأراضي والموارد المتاحة في دعم مسيرة التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان.