شهدت الساحة المالية الرقمية حدثاً غير مسبوق، حيث تحولت ثغرة أمنية إلى واحدة من أكبر عمليات النهب في التاريخ، بعد أن نجح قراصنة في نهب ما يقارب 6.3 مليار دولار من الأصول الرقمية التابعة لمنصة «بينانس»، التي تُعد أكبر سوق لتداول العملات المشفرة عالمياً. وتتميز هذه الحادثة بتجاوزها لمجرد حجم المبالغ المنهوبة، إذ برزت السرعة القياسية التي نُقلت بها الأموال، والذكاء في استغلال المهاجمين للآليات التقنية المصممة أصلاً لحماية عمليات التحويل.
اختراق البنية التحتية بدلاً من سرقة المفاتيح
أفادت تقارير صحيفة "فاينانشال تايمز" بأن التحليلات الأولية تكشف عن أن المهاجمين لم يكتفوا بمحاولة سرقة مفاتيح المحافظ، بل نجحوا في اختراق النظام الأساسي المسؤول عن توقيع المعاملات واعتمادها، وهي الطبقة التقنية التي تمنح صلاحية إصدار أوامر نقل الأموال. وأقرت «بينانس» بأنها كانت تشتبه في البداية باختراق حاسوب محمول تابع لأحد مهندسيها، غير أن التحقيقات اللاحقة كشفت عن نقاط اختراق متعددة، مما يؤكد أن الهجوم كان أكثر تعقيداً مما ظهر في مراحله الأولى.
وبعد تمهيد الطريق، انطلقت الأموال بسرعة فائقة عبر شبكات ومحافظ متعددة. وكشفت مراجعة سجلات سلسلة الكتل أن الجزء الأكبر من عملية النهب تم خلال 30 دقيقة تقريباً، قبل أن يبدأ المهاجمون في محاولة إخفاء آثار المسروقات وتحويلها إلى أصول يصعب تجميدها قانونياً.
تجميد نصف المسروقات تقريباً
تعرض المهاجمون لتحدي فريد لم يكن موجوداً في السرقات التقليدية، وهو إمكانية تجميد بعض العملات المستقرة، مثل USDT وUSDC، عن بُعد من قبل الشركات المصدرة لها. وقد نجحت شركتا «تيثر» و«سيركل» في تجميد مليارات الدولارات المرتبطة بهذه العملية، مما قلل من قدرة القراصنة على تحويل جزء كبير من الغنيمة إلى سيولة قابلة للاستخدام. في المقابل، تظل أصول أخرى مثل البيتكوين والإيثر خارج نطاق التجميد المباشر لعدم وجود جهة مركزية تتحكم بها.
وتعمل العملات المستقرة كجسر وسيط بين الدولار الأمريكي والعملات الرقمية الأخرى.
لم تقتصر أفعال المهاجمين على مجرد نقل الأموال، بل رصد الخبراء تحركات متكررة وسريعة بين آلاف العناوين، في استراتيجية تهدف إلى تشتيت مسار الأموال وإخفاء مصدرها. وأشارت شركة Chainalysis، المتخصصة في تتبع البيتكوين، إلى أن بعض أنماط التحويل الآلي المستخدمة لغسل الأموال كانت غير معتادة، مما زاد من صعوبة عملية التتبع وأضاف طبقة معقدة للتحقيق.
شبهات تشير إلى كوريا الشمالية دون تأكيد نهائي
وجهت شركات متخصصة في تحليل البلوك تشين الاتهامات إلى مجموعة TraderTraitor، التي يُعتقد أنها مرتبطة بكوريا الشمالية، مستندة إلى أوجه التشابه مع هجمات سابقة نسبت إلى قراصنة من نفس الدولة. ومع ذلك، لم تصدر «بينانس» بياناً يحدد هوية المهاجمين، مما يجعل نسبة العملية لكوريا الشمالية مجرد استنتاج تحليلي وليس حقيقة مؤكدة.
«بينانس» تتعهد بتعويض المتضررين
أعلنت «بينانس» التزامها بتغطية خسائر المستخدمين من خلال موارد الشركة وصندوق حماية مخصص، بينما تتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون وشركات التحليل لتعقب الأموال. وكشفت هذه الحادثة عن نقطة ضعف جوهرية في منظومة العملات المشفرة: فحين تنتقل مليارات الدولارات رقمياً في دقائق معدودة، يصبح تأمين النظام المعتمد على التحويلات بنفس أهمية حماية الأصول نفسها.
وتأتي هذه السرقة ضمن سلسلة متصاعدة من الهجمات الإلكترونية؛ حيث قدرت شركة TRM Labs أن نحو 2.9 مليار دولار من العملات الرقمية سُرقت خلال حوالي 150 حادثة في عام 2025. وبالتالي، لا تمثل عملية «بينانس» مجرد سرقة ضخمة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة قطاع العملات المشفرة على صون الثقة التي يقوم عليها.