أكد هانج كيو تران، الزميل الأول غير المقيم بالمجلس الأطلسي، أن الولايات المتحدة أساءت استخدام الامتيازات الاستثنائية التي تتمتع بها باعتبار الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية للاقتصاد العالمي، من خلال التوسع في إصدار الديون الحكومية بمستويات تفوق ما كان يمكنها الوصول إليه في غياب المكانة المهيمنة للعملة الأمريكية، مستفيدة من الطلب العالمي المتزايد على الأصول الآمنة المقومة بالدولار.
وأوضح ، خلال مشاركته في جلسة بعنوان «السيادة الكامنة: الدين الأمريكي وتداعياته العالمية.. من يدفع ثمن الديون»، ضمن فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث (Cairo Forum 2026)، أن العالم يشهد طلبًا واسع النطاق على الأصول الآمنة لاستخدامها في المعاملات المالية، وتقديمها كضمانات، والاعتماد عليها في تأمين عمليات الاقتراض، وهو ما عزز مكانة سندات الخزانة الأمريكية باعتبارها أحد أهم الأصول الآمنة التي تعتمد عليها الأسواق والمؤسسات المالية حول العالم.
وأضاف تران أن الانتشار الواسع لاستخدام الدولار باعتباره عملة عالمية، إلى جانب الطلب الدولي على سندات الحكومة الأمريكية كأداة آمنة للمعاملات والتمويل، أتاح للخزانة الأمريكية إصدار كميات أكبر بكثير من الديون الحكومية مقارنة بما كان يمكن إصداره لو لم يحظ الدولار وسندات الخزانة بهذه المكانة في النظام المالي العالمي.
وأشار إلى أن هذه المعادلة تطرح تساؤلات بشأن مدى استفادة الولايات المتحدة من امتياز إصدار العملة الاحتياطية العالمية، وما إذا كان هذا الامتياز قد تحول إلى أداة تسمح لها بتراكم مستويات مرتفعة من الدين، في الوقت الذي تتحمل فيه بقية الاقتصادات، وخاصة الأسواق الناشئة، جانبًا كبيرًا من تداعيات الاختلالات الناتجة عن هيمنة الدولار.
ووصف تران النظام المالي العالمي في ظل الهيمنة الأمريكية بأنه نظام غير عادل، موضحًا أن الولايات المتحدة تتمتع بامتياز استثنائي يتمثل في قدرتها على إصدار العملة التي يحتاج إليها العالم، بما يمنحها مساحة واسعة لتمويل احتياجاتها من خلال الاقتراض وإصدار الديون، في حين تواجه بقية الدول، وخاصة الاقتصادات الناشئة، قيودًا أكثر صعوبة في إدارة ديونها وتمويل احتياجاتها.
وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على إصدار الدولار والتحكم في أدوات سياستها النقدية، بينما تضطر الأسواق الناشئة إلى الاقتراض بعملة لا تملك السيطرة عليها، ولا تستطيع التحكم في كيفية تداولها عالميًا أو تحديد أسعار الفائدة الخاصة بها، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للتقلبات الناجمة عن القرارات الاقتصادية والنقدية الأمريكية.
وأكد تران أن هناك فجوة واضحة بين الامتيازات التي تتمتع بها الولايات المتحدة باعتبارها مصدر العملة الاحتياطية العالمية، والأعباء التي تتحملها الاقتصادات الأخرى، موضحًا أن واشنطن تستفيد من هذه المكانة الاستثنائية، بينما تواجه الأسواق الناشئة وضعًا معاكسًا يتمثل في محدودية قدرتها على التأثير في العوامل التي تحدد تكلفة تمويلها الخارجي.
ولفت إلى أن ما يحدث في الأسواق المالية الأمريكية ينعكس بصورة مباشرة على بقية الأسواق العالمية، وبصفة خاصة الاقتصادات الناشئة، مشيرًا إلى أن التقارير الدورية التي تصدرها مؤسسات متابعة الأسواق المالية تعكس باستمرار حجم التأثير الذي تمارسه التطورات الأمريكية على حركة الأسواق وتكلفة التمويل في الدول الأخرى.
وشدد تران على أن هذه التأثيرات لا تتوقف عند حدود تحركات أسواق المال، بل تمتد إلى قدرة الحكومات على تدبير احتياجاتها التمويلية، وإدارة أعباء الدين العام، والتعامل مع التغيرات المفاجئة في أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال.
وفي سياق متصل، أوضح تران أن تكلفة اقتراض الأسواق الناشئة تتحدد بصورة رئيسية وفق عاملين أساسيين؛ أولهما سعر الفائدة الأمريكية، الذي يمثل نقطة الارتكاز والقاعدة المرجعية التي تستند إليها أسعار الفائدة في مختلف أنحاء العالم، وثانيهما هامش المخاطر الخاص بكل دولة، والذي يضاف إلى عائد سندات الخزانة الأمريكية لتحديد التكلفة النهائية للاقتراض السيادي.
وأشار إلى أن الاقتصادات الناشئة التي نجحت في تنفيذ إصلاحات مالية، والحفاظ على الانضباط في سياساتها المالية، وتحسين تصنيفاتها الائتمانية، تمكنت من تقليص هوامش المخاطر التي تدفعها على ديونها مقارنة بعائد سندات الخزانة الأمريكية.
وأوضح تران أن هامش المخاطر على السندات السيادية للاقتصادات الناشئة تراجع إلى أقل من 200 نقطة أساس، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عدة عقود، بما يعكس المكاسب التي حققتها هذه الدول نتيجة التزامها بالانضباط المالي وتحسن تقييم الأسواق لمخاطرها الائتمانية.
لكنه أكد في المقابل أن تحسن المؤشرات المالية والائتمانية لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة الاقتراض الإجمالية، إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يرفع الأساس الذي تُحتسب عليه تكلفة التمويل عالميًا، وبالتالي تجد الاقتصادات الناشئة نفسها أمام أعباء تمويلية أعلى حتى مع نجاحها في خفض هامش المخاطر الخاص بها.
وأضاف أن الدول التي بذلت جهودًا لتحسين أوضاعها المالية ونجحت في الحصول على تقييمات ائتمانية أفضل، لا تزال تتأثر بقرارات السياسة النقدية الأمريكية، لأن ارتفاع سعر الفائدة الأساسي على سندات الخزانة الأمريكية ينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض الخارجي، بصرف النظر عن المكاسب التي حققتها تلك الدول في تقليص علاوة المخاطر.
ومن ناحية أخرى، أشار تران إلى أن التعامل مع تقلبات تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، والحد من تأثير الأموال الساخنة على الأسواق الناشئة، يرتبط بصورة أساسية بمدى تطور المؤسسات المالية المحلية ونضجها، وقدرة الدول على بناء أسواق مالية أكثر عمقًا وتنوعًا.
وذكر أن الدول التي تنجح في تطوير قاعدة قوية من المستثمرين المؤسسيين، تشمل صناديق المعاشات وشركات التأمين ومختلف المؤسسات الاستثمارية، تكون أكثر قدرة على مواجهة المضاربات والتقلبات المفاجئة في حركة رؤوس الأموال، مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الاستثمار قصيرة الأجل.
وتابع أن بناء أسواق رأسمال متطورة يتطلب توفير أدوات مالية وتمويلية متنوعة تستطيع الشركات استخدامها للحصول على التمويل اللازم لأنشطتها وتوسعاتها، بدلًا من الاعتماد بصورة شبه كاملة على البنوك كمصدر رئيسي للتمويل.
وشدد على أهمية تطوير المؤسسات المالية المحلية، سواء على جانب المؤسسات الاستثمارية التي توفر السيولة والتمويل، أو على مستوى الوسطاء والمؤسسات العاملة في أسواق رأس المال، بما يسهم في بناء هيكل مالي متكامل وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
كما أكد أن تعزيز دور صناديق المعاشات وشركات التأمين والمستثمرين المؤسسيين، بالتوازي مع تعميق أسواق رأس المال وتوسيع نطاق الأدوات المالية المتاحة أمام الشركات، يمثل أحد المسارات الأساسية لحماية الاقتصادات الناشئة من تقلبات الأسواق العالمية وتدفقات الأموال الساخنة، وتعزيز قدرتها على توفير التمويل من مصادر محلية أكثر استقرارًا.
ظهرت المقالة «المجلس الأطلسي»: الاقتصادات الناشئة تدفع ثمن الامتيازات الاستثنائية للدولار الأمريكي أولاً على أموال الغد.