في جنوب ماليزيا، اشترت شركة صينية ملعب جولف كاملًا، لتزيل المساحات الخضراء التي طالما استقبلت هواة اللعبة، وتبني مكانها منشأة ضخمة لمراكز البيانات، صفقة نقلت قطعة من الأرض من عالم الترفيه إلى قلب سباق تكنولوجي.
وعلى امتداد ولاية جوهور، تتكرر الحكاية بوتيرة أسرع، فمزارع نخيل الزيت تفسح الطريق أمام مبانٍ خرسانية تحتضن آلاف الخوادم، واستثمارات أمريكية وصينية تتدفق بمليارات الدولارات، وخلال سنوات قليلة، تحولت هذه الولاية الواقعة جنوب ماليزيا إلى ساحة تتقاطع فيها طموحات عمالقة التكنولوجيا، لتصبح البلاد واحدة من أبرز المستفيدين من سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
من المزارع إلى مراكز البيانات
حتى وقت قريب، كانت الاستثمارات الكبرى في مراكز البيانات تتجه بصورة أساسية إلى أسواق راسخة مثل سنغافورة واليابان وهونج كونج.
لكن توسع هذا القطاع بدأ يغير قواعد اللعبة، ومنذ عام 2019، بدأت الحكومة السنغافورية تقييد التوسع في سعة مراكز البيانات بسبب استهلاكها المرتفع للطاقة والمياه، ثم جاءت القيود على إنشاء منشآت جديدة لتدفع الشركات إلى البحث عن بدائل قريبة.
وبحلول عام 2021، بدأت موجة الانتقال تتخذ شكلًا واضحًا، وكانت الشركات الصينية من أوائل الوافدين، ومن بينها شركة "جي دي إس هولدينغز"، التي أنشأت منشآت في جوهور لمساعدة عملائها الصينيين على التوسع خارج بلادهم، قبل أن تتحول أنشطتها الدولية لاحقًا إلى شركة "داي ون"، التي أصبحت من أبرز مطوري مراكز البيانات في ماليزيا.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة المستثمرين، وأصبحت "جوهور" وجهة مستقلة لشركات تسعى إلى تأمين قدراتها الحاسوبية ومواكبة الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.
واليوم، حيث يدير العالم مراكز بيانات تشغّل البث والتخزين السحابي وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتتصدر الولايات المتحدة هذا السباق بفارق شاسع، كما يتضح في القائمة التالية، التي لا تظهر فيها ماليزيا، لأن لديها 134 مركزاً فقط، لكنها تملك عددًا من المزايا: أرضاً رخيصة، وكهرباء موثوقة، وقرباً من الكابلات البحرية التي تحمل الإنترنت إلى الصين والعالم.
|
أكبر أسواق مراكز البيانات في العالم |
|
|
الدولة |
عدد مراكز البيانات |
|
الولايات المتحدة |
5044 |
|
المملكة المتحدة |
595 |
|
ألمانيا |
580 |
|
الصين |
443 |
|
فرنسا |
401 |
الدولة المحايدة
تزامن صعود ماليزيا مع اشتداد المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، ففي عام 2022، فرضت واشنطن قيودًا على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى بكين، لكن وجود مراكز البيانات خارج الأراضي الصينية أتاح للشركات الصينية الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى قدرات حاسوبية متطورة، وهو ما جعل ماليزيا تكتسب أهمية تتجاوز موقعها الجغرافي.
وفي الوقت نفسه، وجدت شركات التكنولوجيا الأمريكية منها "جوجل" و"أمازون ويب سيرفسيز" في ماليزيا قاعدة مناسبة للتوسع في آسيا، كما تعتزم "سوفت بنك" اليابانية ضخ استثمارات تصل إلى 50 مليار دولار في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة ومراكز البيانات.
وهكذا، وجدت ماليزيا فرصة للعب دور الوسيط الاقتصادي في قطاع تزداد فيه الانقسامات السياسية والتكنولوجية، لكن هذه المكانة تضعها أيضًا تحت مجهر واشنطن، التي أعرب سياسيون فيها مرارًا عن مخاوفهم من استخدام ماليزيا بوابة لوصول الرقائق الأمريكية المتقدمة إلى الصين، خارج القيود المفروضة على التصدير.
جوهور في قلب الطفرة
لم تتوقف آثار الطفرة عند حدود قطاع التكنولوجيا؛ فقد تحولت مراكز البيانات إلى محرك لنشاط الإنشاءات والتصنيع والاستثمارات الأجنبية، إذ بلغت قيمة الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات 385.7 مليار رينغيت (94.75 مليار دولار) خلال الفترة من عام 2021 وحتى النصف الأول من عام 2026.
وكانت جوهور المستفيد الأبرز من هذا التوسع، إذ تحولت أراضيها الزراعية إلى مواقع لمشروعات ضخمة، وأصبحت تضم شركات ومطورين من مختلف أنحاء العالم.
|
جوهور في قلب طفرة مراكز البيانات |
||
|
الولاية |
قيمة الاستثمارات الخاصة المعتمدة في 2025 |
قيمة الاستثمارات الخاصة المعتمدة في الربع الأول من 2026 |
|
جوهور |
27.1 |
4.2 |
|
سيلانجور |
20.8 |
8.3 |
|
كوالالمبور |
16.0 |
4.2 |
*بناءً على حسابات أجرتها "فاينانشال تايمز" على بيانات هيئة تنمية الاستثمار الماليزية
وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في ماليزيا بنسبة 41% خلال عام 2025، كما سجل الاقتصاد نموًا سنويًا بنسبة 6% في الربع الثاني، مقارنة بنحو 5.4% في الربع الأول، مدفوعًا بصورة رئيسية بنشاط التصنيع والإنشاءات، وتطمح الحكومة إلى استثمار هذه المكاسب للانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا في صناعة الذكاء الاصطناعي.
لذلك، تسعى كوالالمبور إلى جذب مشروعات توفر وظائف عالية المهارة، وتدعم الأبحاث، وتوسع قاعدة الموردين المحليين، مستهدفة دخول قائمة الدول العشر الرائدة عالميًا في مؤشرات تطوير الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
فاتورة الازدهار
وراء الرافعات والمباني الخرسانية، بدأت تظهر أسئلة أكثر إلحاحًا تتعلق بقدرة جوهور على تحمل هذا التوسع، ومع تسارع المشروعات، بدأ السكان المحليون يشعرون بآثار التوسع على حياتهم اليومية.
وفي فبراير، تجمع أكثر من 50 شخصًا أمام موقع إنشاء مركز بيانات بالقرب من منطقة سكنية في جوهور، مطالبين بمعالجة التلوث الناتج عن الغبار، ومبدين مخاوفهم من تأثير المنشأة على صحتهم وإمدادات المياه.
وكان مشروع شركة "زد داتا" الصينية من بين المشروعات التي أثارت شكاوى السكان، الذين تحدثوا عن تراكم الغبار على ملابسهم ومنازلهم، وعن تسجيل أجهزة تنقية الهواء مستويات مرتفعة من التلوث، حتى إن الشركة عرضت تقديم خدمات مجانية لغسيل السيارات للسكان المتضررين.
ومع تصاعد هذه المخاوف، بدأت الحكومة الماليزية مراجعة وتيرة التوسع، وفرضت قيودًا جديدة على الموافقات الخاصة بمراكز البيانات، بحيث تقتصر المشروعات الجديدة على المنشآت التي تمتلك مصادر مستقلة للطاقة وإمدادات خاصة بالمياه اللازمة للتبريد.
وتكتسب هذه الشروط أهمية خاصة في ظل التحذيرات من أن يصل استهلاك مراكز البيانات إلى نحو 31% من قدرة توليد الكهرباء المتاحة في ماليزيا بحلول عام 2035، وفق تقديرات "إس آند بي جلوبال".
في النهاية، قد تكون مزارع النخيل قد أفسحت الطريق بالفعل أمام مراكز البيانات، لكن مستقبل الاقتصاد الماليزي سيتوقف على ما إذا كانت هذه المنشآت ستصبح نقطة انطلاق لصناعة تكنولوجية متكاملة، أم مجرد محطات ضخمة لمعالجة بيانات العالم على أرض ماليزية.
المصادر: بيانات هيئة تنمية الاستثمار الماليزية - صحيفة "الإيكونومست" – "نيويورك تايمز" – "فاينانشال تايمز" – موقع "ذا إيدج ماليزيا" - وكالة "إنفست جوهور" – "داتا سنتر ماب" – وكالة "موديز"