حققت السندات الحكومية الهندية أفضل أداء بين أسواق الدين الناشئة في آسيا خلال الأسبوع الجاري، بينما استعادت الروبية مكانتها المفضلة بين عملات المنطقة. جاء ذلك بفضل انخفاض أسعار النفط وتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، إلى جانب تحول اهتمام المستثمرين العالميين بعيداً عن الأصول المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، مما خفف الضغط على العملة الهندية وقلل من توقعات الأسواق لرفع حاد في أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الهندي.
ترافق هذا التحول مع فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مما أدى إلى هبوط أسعار النفط وعوائد السندات الأمريكية، وتزايد القلق حول استدامة الإنفاق الكبير على بنية تحتية الذكاء الاصطناعي والتقييمات المرتفعة لشركات التقنية.
وبحلول الساعة 11:40 صباحاً بالتوقيت المحلي، بلغ عائد السندات الهندية القياسية لأجل 10 سنوات، المستحقة في 2036 بفائدة 6.94 في المائة، مستوى 7.1973 في المائة. ورغم ارتفاعها بـ2.5 نقطة أساس خلال اليوم، إلا أنها تراجعت بنحو 22 نقطة أساس على مدار الأسبوع، متجهة نحو تحقيق أفضل أداء أسبوعي منذ أبريل (نيسان)، وفقاً لـ«رويترز».
في المقابل، انخفض عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار 10 نقاط أساس تقريباً منذ بداية الأسبوع، مما زاد من جاذبية الديون الهندية ذات العوائد المرتفعة. كما تفوقت السندات الهندية على نظيراتها في إندونيسيا والفلبين والصين وماليزيا وتايلاند.
عاد المستثمرون الأجانب لشراء سندات الدين الهندية، حيث بلغ حجم المشتريات الصافية أسبوعياً نحو 52 مليار روبية (552.28 مليون دولار)، وهو أعلى مستوى صافي شراء أسبوعي يسجلونه منذ يوليو (تموز).
وأوضح روهيت أغاروال، الشريك المؤسس لشركة «بيكويست كابيتال» لإدارة الثروات العائلية في دبي، أن «استقرار العملة وأسعار النفط وتوقعات أسعار الفائدة العالمية لا تزال عوامل رئيسية، ونعتقد أن الهند باتت تحظى باهتمام متزايد من المستثمرين العالميين في السندات».
استفادت الأسهم الهندية والروبية من هذا التحول في المزاج العام للأسواق العالمية. فقد صعدت الروبية بنحو 1 في المائة لتسجل 94.10 مقابل الدولار، بينما ارتفع مؤشر «نيفتي 50» القياسي بنسبة 6.7 في المائة خلال الأسبوع ليصل إلى 24612 نقطة.
تحول في توجهات المستثمرين
تستعيد الروبية جاذبيتها بين عملات الأسواق الناشئة بعد فترة طويلة من الضغوط، مع تباطؤ زخم الاستثمار العالمي في أسهم الذكاء الاصطناعي، مما أعاد الأنظار نحو الأسواق التي كانت مهملة سابقاً.
طوال عام 2026، فضل المستثمرون العالميون الأسواق ذات الوزن التكنولوجي الكبير، خاصة في الولايات المتحدة وآسيا الشمالية، لتعزيز استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. أثّر هذا التركيز سلباً على الهند، نظراً لقلة انكشاف أسواقها على أشباه الموصلات وسلاسل إمداد بنية الذكاء الاصطناعي، مما ضغط على الأسهم والعملة.
لكن بدأت تظهر إشارات على تغير هذه المعادلة. فقد كانت المخاوف بشأن استدامة الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي والتقييمات المرتفعة تشكل تحدياً لموجة صعود أسهم التقنية، قبل أن يحقق الحزب الديمقراطي فوزاً واسعاً في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
يخشى المستثمرون من أن يؤدي المشهد السياسي الأمريكي الجديد إلى تشديد الرقابة على شركات الذكاء الاصطناعي وتضييق التدقيق على التوسع في مراكز البيانات.
في هذا الإطار، قفز مؤشر «الخوف» الذي يقيس تقلبات «وول ستريت» يوم الخميس، بينما هبط مؤشر «ناسداك» بنسبة 5.5 في المائة، مسجلاً أكبر خسارة يومية له منذ ما سمي بـ«يوم التحرير» في أبريل (نيسان) 2025.
سلط محللون في بنوك «جي بي مورغان» و«غولدمان ساكس» وشركة «بلاك روك» الضوء خلال الأسابيع الأخيرة على الجاذبية النسبية للسوق الهندية، في حال سعى المستثمرون لتنويع استثماراتهم بعيداً عن الأسواق المعتمدة بشدة على الذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى تنوع السوق الهندية واعتمادها على محركات نمو محلية توفر بدائل استثمارية.
تظهر مؤشرات على بدء هذا التحول، حيث كثف المستثمرون الأجانب مشترياتهم من الأسهم الهندية لتقترب من 3 مليارات دولار هذا الأسبوع، منها 1.6 مليار دولار يوم الخميس وحده، وهو أكبر حجم شراء يومي منذ نحو ست سنوات.
من شأن عودة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسهم الهندية أن يوفر دعماً قوياً للروبية، خاصة بعد فترة طويلة من عمليات البيع.
وكانت الروبية من بين أفضل العملات أداءً في آسيا هذا الأسبوع، وتصدرت عملات المنطقة يوم الجمعة، في وقت انخفضت فيه معظم العملات الآسيوية الأخرى.
صعدت العملة الهندية إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر عند 94.10 مقابل الدولار، مخالفة الاتجاه العام في المنطقة، بعد أن سجلت أدنى مستوى تاريخي لها عند 96.96 في مايو (أيار).
قالت راديكا راو، كبيرة الاقتصاديين والمديرة التنفيذية في بنك «دي بي إس»، إن استقرار الروبية نسبياً يعزز العوائد المحسوبة بالدولار للمستثمرين الأجانب، بينما يشكل انخفاض أسعار النفط عاملاً داعماً «ملحوظاً» للهند، ثالث أكبر مستورد للطاقة في العالم.
انخفض خام برنت بنحو 20 في المائة هذا الأسبوع، متجهاً لتسجيل أكبر هبوط أسبوعي منذ أبريل (نيسان) 2020، وسط توقعات بأن يسعى الرئيس الأمريكي، الذي أضعفته نتائج الانتخابات، إلى إنهاء الصراع مع إيران.
في سوق المشتقات، تراجع سعر الفائدة على اتفاقيات مبادلة أسعار الفائدة لليلة واحدة (OIS) لأجل عام واحد بمقدار 32 نقطة أساس خلال الأسبوع إلى 6.40 في المائة، كما انخفض السعر لأجل عامين بمقدار 34 نقطة أساس إلى 6.40 في المائة، وهبط السعر لأجل خمس سنوات بمقدار 37 نقطة أساس إلى 6.49 في المائة.
بعد هبوط أسعار النفط، انخفضت توقعات الأسواق لزيادات أسعار الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الهندي إلى ما بين 50 و75 نقطة أساس، مقارنة بتوقعات سابقة بزيادة تبلغ 125 نقطة أساس، وفقاً لمتعامل في أحد البنوك الخاصة.
ساهم تراجع النفط في تخفيف الضغوط على توقعات التضخم في الهند، مما أضعف المبررات لتشديد السياسة النقدية بشكل استباقي. كما تخفف أسعار الخام المنخفضة الضغط على الميزان التجاري والمالية العامة للبلاد.
قال ألوك سينغ، رئيس إدارة الخزانة في بنك «سي إس بي» بمدينة مومباي، إن احتمال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة عزز معنويات الأسواق الهندية، مضيفاً أن أي تراجع إضافي في عائد السندات لأجل 10 سنوات سيظل مرهوناً بالتوصل إلى تسوية للأزمة الإيرانية وانخفاض أسعار النفط الخام إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل.