كان الربيع مزهراً والنباتات تطوّق بيوت القرية التي تبدو من الأعلى أشبه ببيوتٍ سكنية على الطراز الحديث. كان النّهر نشيطاً كالعادة يواصل طريقه بين الأحجار. تحكي لي أمّي بطريقتها المشوّقة وأضيف شيئاً من خيالي. كنتُ البنتَ الوحيدة بعد ثلاثة ذكور: علاء وعاطف وياسين. اختارت لي جدتي من جهة أمّي اسم فاطمة الزهراء فلم يعترضها أحد، أخمّن ذلك. كنتُ مدلّلة بطريقة ما؛ حيث أبدو في ألبوم الصور محاطةً بإخواني وخالاتي أو جالسةً على ركبتيْ أمّي بضفيرتين صغيرتين ومصّاصة حلوى في الفم. وفي صورة أخرى على وشك أن أسقط من على ظهر الأتان بينما يظهر أخي ياسين بقميص المنتخب المغربي وهو يهمّ بضرب الأتان بعصا صغيرة. ارتبطتُ وجدانياً بأجواء القرية وفصل الربيع؛ بروائح النباتات الفوّاحة في الأرجاء، بصفير البلابل ولون الفراشات، وحصص المطر الأخيرة حيث الماء يغسل أشجار البرتقال على مهلٍ. كما تعلّقتُ بالنهر الذي يشطر القرية إلى قسمين ومشهد الرجال وهم يفسحون للماء بالمعاول كي يصل إلى الأشجار، وبموّال البنات العائدات من النهر بالأغراض المغسولة، فيما تجلس الجدّات على العتبات شارداتٍ ينظرن إلى زاوية بعيدة ويتذكرن الأيام الخوالي. كان النهر هو الحياة، وكنّا نحن الصغار ننتظر بشوقٍ نهاية الدوام المدرسي وبداية الصيف كي نغرس المظلات الشمسية بين أحجار الوادي، وأحياناً نربط الملاءات بأغصان الأشجار مُشكِّلين خياماً صغيرةً نستظل تحتها. يأتي أيضاً سكان القرى المجاورة وزوّارٌ من المدينة فتكتظ جنبات النهر بالمرح والموسيقى. نصعد فوق الأحجار ثمّ نستعرض مهارتنا في الارتماء في عمق الماء البارد. إنّها ديمقراطية النهر الموزعة على الأولاد والبنات بالتساوي! كانت أمّي ملاذي العاطفي؛ امرأة تتمتع برقّةٍ زائدةٍ وأدبٍ في استقبال الضيوف وتوديعهم عند الباب. تحب أغاني أم كلثوم وتتابع المسلسلات التاريخية في ليالي رمضان بشغفٍ، ولا يهمها أن تحدث القيامة في محيط البيت. أحياناً أتعمّد أن أغيظها كأن أقذف المخدة في الهواء وألقفها أو أقف في المسافة الفاصلة بينها وبين التلفزيون وأنا أتحرك يميناً ويساراً كحارس مرمى يستعد لصدّ ضربة جزاء. عبثاً أحاول أن أبعثر أعصاب المرأة الهادئة. على النقيض من أمّي، كان أبي عصبياً جداً ومتأهباً ليتحوّل إلى رعدٍ مدوٍّ لأتفه الأسباب، ولم يحدث أن رأيته يبتسم. أنظر إلى سحنته المقلوبة وحاجبيه الكثّين في الصورة المعلقة في الصالون فأخفض رأسي. يَسبقُه صوته الجهوري فأسوّي جلستي وأدسّ رأسي في كتابٍ أو أواصل إنجاز تمارين الرياضيات من دون أن ألتفت. إنّه خوفٌ غريزي من دون أن أجد له مبرراً لحد الساعة. ربّما لأنه صفعني ذات مرّة عندما قتلتُ دجاجةً بمقلاع مطاطي، أخي ياسين هو الذي شجعني على ذلك. ما زلت أتحسس بخيالي أثر الصفعة على خدي الأيسر. فيما كان إخواني يحظون بمعاملة جيدة من لدن الأب؛ كأنْ يربت على كتف أحدهم أو يساعد آخرَ في ركوب الأتان أو يصنع له حصاناً من البرواق. عرفتُ في ما بعد أن جميع بنات القرية عانين المشكلة نفسها حيث الآباء يتسترون على عواطفهم، أو ربما يُهرِّبون هذه العواطف تجاه الذكور. لكن للأمانة لن أنسى أبداً قبلة أبي على جبيني يوم نجحت في البكالوريا. أنتظرُ العطل المدرسية، فأقضي قسطاً وافراً منها في بيت الجدة، الذي يبعد عن النهر خمسة كيلومترات من الجهة الشمالية. كانت الرحلة فوق البغل جميلة حقاً؛ حيث تمنحني خالتي عائشة فرصة قيادة البغل فتطوقني من الخلف بذراعيها الصلبتين، فيما أحثُّ البهيمة على الإسراع بتحريك قدميّ. ويحدث أحياناً أن أفقد صندلي فتنزل خالتي، وأظل أنا جالسةً على ظهر البغل مثل أميرة صغيرة أنتظر الصندل وقفزة عائشة كي نواصل الرحلة. نقترب من البيت فندخل ممرّاً واسعاً وسط أشجار التين، ليستقبلنا الكلب وهو يهزّ ذيله، ثم نتجاوز حظيرة الأغنام والأبقار ونطل على جدّي جالسا في الفناء خلف صينية الشاي، فيما جدتي تطحن شيئاً في مدقةٍ من نحاسٍ. كلّ ذلك والشّمس تهمّ بالارتماء في الشفق البعيد. أرتقب الليل كالعادة كي تحكي لي الجدة قصّة الذئب والخرفان، وقصّة عنترة الشجاع مع عبلة بنت مالك. وأتعاطف مع قيس الولهان ومصيره المؤلم وسط الصحراء تنهشه الوحوش الضواري، فيما ليلى تتألم صامتةً تحت خيمةٍ بعيدة. تحكي الجدّة فأسرح بخيالي وسط الصحراء، حيث قوافل البدو والسرادق الكبير والنار المتقدة تحت ضوء القمر. ويحدث أن أصعد الجبل فأتيه في الطرق الضيقة والمسارب الوعرة وسط الأحجار ونباتاتٍ بريةٍ تعبق برائحةٍ آسرةٍ، فأنام من دون أن أصطحب الجدة إلى نهاية القصة. القصص الجميلة تحتفظ دوماً بالنهاية الغامضة! في المدرسة، كنتُ شيطانةً صغيرةً بتعبير الأستاذة سعاد، كنت أمتلك إصراراً طفولياً على احتلال الرتب الأولى في الابتدائي، ثم فيما بعد في إعدادية أبي القاسم الشابي. كانت خديجة هي منافستي الشرسة، والتي كانت تتفوق عليّ في الفرنسية فتحتل الرتبة الأولى وتحصد جوائز آخر السنة. كان عليّ أن أنتظر انقطاعها عن الدراسة في التاسعة إعدادي كي أحتل الرتبة الأولى لأول مرة فيجازيني أخي علاء بدراجة هوائية، وكان حينها قد التحق بسلك الجندية. بدوري التحقت بالثانوية التأهيلية القسم الداخلي، فصرت أنام في غرفة واحدة مع بناتٍ ينحدرن من القرى المجاورة. نتحلق حول طاولةٍ مستديرةٍ فنتناول الوجبات ونقاوم الغربة بالنكات وانتظار عطلة نهاية الأسبوع. ازداد طولي في المرآة وتغيّر صوتي قليلاً. ونبت نهدان في صدري بسرعة، عبثاً حاولتُ إخفاءهما تحت ملابسي الفضفاضة. ظهرت أيضاً بثورٌ صغيرةٌ على وجهي فتأزّمت نفسيتي وحاصرتني مشاعر سلبية. تَصَادف ذلك مع موت أمّي في تلك السنة، فرأيت أبي وهو يذرف الدموع بغزارة لأول مرّة، كان يخرج المنديل من سترته فيمسح دموعه. كنتُ جالسةً فوق كيس تبنٍ أنظر إلى أبي وأحاول أن أمسك بأركان البيت التي تدور حولي. انتابني شعورٌ بأنّي انتهيت والجميع ضدّي. وهذه قسوة أخرى سأحكي عنها في ما يلي من الفقرات. صرتُ ميّالةً للعزلةِ، وسريعةَ الغضبِ لأتفه الأسبابِ، فوجدتُ عزائي الوحيد في القراءة والموسيقى. التهمتُ أعداد مجلة «عبير» و»زهرة الخليج»، ثم قرأتُ مصطفى لطفي المنفلوطي وذرفتُ معه الكثير من العَبرات، ثم التهمتُ كلّ ما كتبه جبران خليل جبران وتعاطفتُ في النهاية مع صديقته الأمريكية ماري هاسكل، وتقوّى أسلوبي بقصص زكريا تامر. وقد تأتّى لي موقفٌ من المجتمع والعالم والأشياء بروايات عبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ، في حين وصلتُ إلى منعطفٍ مهمّ حين اكتشفتُ الأدب الروسي، خصوصاً تولستوي ودوستويفسكي، وهي الفترة التي بدأتُ أكتب فيها خواطري وأفكاري في كراسةٍ صغيرةٍ. مرّت ثلاث سنوات سريعاً من دون أن أنتبه، وحصلتُ على البكالوريا من دون أن أفرح تقريباً. وحلَّ الصيف الحارّ حين ظهر خبر جائزة القصة القصيرة جنوب المغرب في أحد المواقع الإلكترونية. تشجعتُ فكتبتُ القصة في جلسةٍ واحدةٍ على موسيقى صامتةٍ، ثم قمتُ بتنقيح القصّة في الصباح الموالي؛ حيث تخلّصتُ من بعض الكلمات التي لا طائل منها، وقمتُ بتقوية بعض الجمل، وحسمتُ في العنوان الذي جعلتُه دالاً، ثم أرسلتُ القصة ونسيتُ الأمر إلى أن اتصل بي بعد شهرين مَن يخبرني بالفوز بالجائزة. أوشكتُ أن أتحوّل إلى عباس بن فرناس فأحلّق في السماء من فرط الفرح. ابتهج إخواني بالفوز وشجعوني على مواصلة الكتابة، خصوصاً أنهم تلمّسوا الفراغ المهول الذي خلّفه رحيل الوالدة في حياتي. في العام الموالي، شاركتُ في جائزة المبدعين الشباب بمجموعةٍ قصصيةٍ في مئة وستين صفحة. أذكر أنّي عزفتُ على الوتر الحساس عندما جعلتُ موضوع الكتاب وباء الطاعون الذي بدأ يكتسح الكثير من بلدان افريقيا في تلك الفترة، لدرجةِ أنه شغل الكثير من قنوات العالم. هكذا توفّرت للقصص الوحدة الموضوعية من جهةٍ، والجدّة من جهةٍ ثانيةٍ، فيما جعلتُ اللغة تنساب وفق مزاج الشخوص وتحفل برسائل اجتماعيةٍ قويةٍ. وفعلًا كانت الجائزة من نصيبي كما توقعتُ. وتحدثت الصحافة الثقافية عن الجائزة، وظهرتُ بتصريحٍ قصيرٍ في النشرة الرئيسية في القناة الثانية. والأهمّ أنني تعاقدتُ مع إحدى المجلات النسائية حديثة الظهور بأن أكتب معهم مقالاً شهرياً في حدود ألف كلمةٍ، وهو ما ساعدني على تدبير مصروفي اليومي. أنا الآن على وشك التخرج في الجامعة؛ شعبة العلوم الفيزيائية. وعلى وشك أن أفرغ من روايتي الأولى بعدما انتبهتُ إلى أن القصة القصيرة لم تعد تسع لأفكاري الكبيرة وطموحاتي السردية المتشعبة. أمّا موضوع الرواية وأنماط الشخصيات وطبيعتها، فذلك ما سأحدثكم عنه في مناسبةٍ قادمةٍ. ألم أقل لكم إنّ القصص الجميلة تحتفظ دوماً لنفسها بالنهاية الغامضة؟
عواطف مهرّبة
كان الربيع مزهراً والنباتات تطوّق بيوت القرية التي تبدو من الأعلى أشبه ببيوتٍ سكنية على الطراز الحديث. كان النّهر نشيطاً كالعادة يواصل طريقه بين الأحجار. تحكي لي أمّي بطريقتها المشوّقة وأضيف شيئاً من خيالي. كنتُ البنتَ الوحيدة بعد ثلاثة ذكور: علاء وعاطف وياسين. اختارت لي جدتي من...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.