تستضيف العاصمة أبوظبي فعاليات "أديبك 2026" خلال الفترة من 2 إلى 5 نوفمبر القادم، وذلك في مركز أدنيك أبوظبي. تمثل هذه النسخة محطة مفصلية في تاريخ الحدث الذي مرّ بأكثر من أربعة عقود من التطور المستمر، مواكباً التغيرات الجوهرية التي طرأت على صناعة الطاقة، سواء من حيث التقنيات المتطورة، أو طبيعة الفاعلين، أو القضايا المحورية التي تشغل أجندة القطاع.
انطلقت أولى دورات "أديبك" في مايو 1984 من فندق إنتركونتيننتال أبوظبي، في مرحلة كانت فيها صناعة النفط والغاز الإماراتية في بداياتها، تركز على بناء القدرات الفنية وتطوير الكوادر البشرية.
حملت الدورة الأولى طابعاً تقنياً بحتاً، حيث هدفت أساساً إلى تبادل الأبحاث الفنية الخاصة بجمعية مهندسي البترول وتبادل الخبرات بين العاملين، مع التركيز على الكفاءات الوطنية الناشئة. وقد تراوح عدد الحضور في تلك النسخة الأولى بين ألف وألفي مشارك.
عكست التقنيات المعروضة آنذاك واقع الصناعة في تلك الفترة، إذ كانت الأدوات الميكانيكية والصمامات الهوائية هي السائدة في المنشآت النفطية، قبل أن تشهد الصناعة انتقالاً تدريجياً نحو الأنظمة الهيدروليكية، ثم الرقمية، وصولاً إلى الأنظمة الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الوقت الحاضر.
استمر "أديبك" في النمو خلال عقد التسعينيات، مواكباً التوسع في صناعة النفط والغاز بأبوظبي والمنطقة، مع تزايد الاهتمام بتقنيات الاستكشاف والإنتاج، ورفع كفاءة الحقول، وإدارة المكامن والمشروعات البحرية.
تحوّل الحدث إلى نقطة التقاء تجمع المنتجين، وشركات الخدمات، والمصنّعين، والخبراء، بينما حافظ الجانب المؤتمري على دوره المحوري في نقل المعرفة وتقديم الحلول الهندسية والبحوث الجديدة.
تنامى البعد الدولي في هوية "أديبك" بالتوازي مع تعزيز مكانة أبوظبي في أسواق الطاقة العالمية، وتوسع قدراتها في مجالات الإنتاج، والمعالجة، والتكرير، والبتروكيماويات.
دخل الحدث مرحلة توسع كبرى مع مطلع الألفية الجديدة؛ فاستقطبت دورة عام 2004 حوالي 1209 شركات من 54 دولة، على مساحة عرض إجمالية بلغت 30 ألف متر مربع، مما يعكس قفزة نوعية في الحجم والتنوع الدولي.
في عام 2006، طُرحت خطط لتوسيع النطاق الدولي للحدث، حيث أُضيف أربعة أجنحة دولية جديدة إلى جانب 11 جناحاً شاركوا في دورة 2004، مما وسّع شبكة الدول والشركات التي تعتمد على المعرض كبوابة لدخول أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية.
تزامن هذا التوسع مع تطوير البنية التحتية للمعارض والمؤتمرات في أبوظبي، مما منحه مساحات أكبر وقدرات تنظيمية أعلى لمواكبة الطلب المتزايد على المشاركة.
بحلول عام 2010، بلغ "أديبك" مرحلة متقدمة، حيث استقطبت دورته الرابعة عشرة أكثر من 1500 شركة عارضة، مع توقعات بحضور 40 ألف زائر، ووجود 14 جناحاً دولياً.
ركزت نقاشات دورة 2010 على توفير الطاقة في عصر منخفض الكربون، وتقنيات تعزيز الاستخلاص والسلامة، وإدارة مخاطر التسربات النفطية، في إشارة مبكرة إلى اتساع نطاق الحدث ليشمل قضايا تتجاوز مجرد زيادة إنتاج النفط والغاز.
في دورة 2012، ارتفع عدد الشركات المشاركة إلى أكثر من 1600 شركة، وبلغت مساحة العرض 38 ألف متر مربع، مع توقعات باستقبال أكثر من 45500 زائر، بينما تضمن البرنامج أكثر من 400 عرض وتقارير تقنية.
جاءت تلك الدورة تحت عنوان "نمو الطاقة المستدامة.. الناس والمسؤولية والابتكار"، مما يعكس اندماج مفاهيم الاستدامة والمسؤولية والابتكار بشكل أعمق في حوارات "أديبك".
شهد عام 2013 تحولاً جوهرياً في تاريخ الحدث، إذ أصبح يُنظم سنوياً بدلاً من كل عامين، مما مكنه من مواكبة التغيرات السريعة في أسواق الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار بشكل مستمر.
انعكس هذا التغيير سريعاً على حجم الحدث؛ ففي عام 2014 تجاوز عدد الشركات العارضة 1800 شركة، واستهدف أكثر من 60 ألف متخصص، مع توسع الموضوعات لتشمل الابتكار، والقيادة، والتكنولوجيا، والاستدامة، والبحث والتطوير.
في النصف الثاني من العقد الماضي، بدأ "أديبك" يعكس اتساع نطاق أعمال شركات الطاقة، حيث لم يعد ينظر إلى الاستكشاف والإنتاج بشكل منفصل عن التكرير، والبتروكيماويات، والنقل، والخدمات، والأسواق.
في عام 2017، أُضيف قطاع الصناعات التحويلية إلى البرنامج لأول مرة، بالتزامن مع توسع استراتيجيات شركات النفط الوطنية عبر سلسلة القيمة. وشهد الحدث حضور أكثر من 100 ألف زائر من 135 دولة، بمشاركة 2200 شركة عارضة، وأكثر من 10 آلاف مندوب، و900 متحدث.
ومع تسارع وتيرة الثورة الصناعية الرابعة، بدأت الرقمنة تحتل مكانة بارزة في أجندة "أديبك".
في عام 2018، اتسع نطاق البرنامج ليعكس التحولات التي تواجه قطاع النفط والغاز ودور التكنولوجيا في تشكيل مستقبله. ثم جاءت دورة 2019 لتحمل تحولاً أوضح عبر إعادة هيكلة المؤتمر الاستراتيجي تحت مفهوم "Oil and Gas 4.0"، في إشارة صريحة إلى تأثير الثورة الصناعية الرابعة والتقنيات الناشئة والرقمنة على الصناعة.
بلغ عدد المشاركين في دورة 2019 أكثر من 150 ألف شخص من 167 دولة، بمشاركة 2,200 شركة على مساحة عرض إجمالية بلغت 160 ألف متر مربع.
مع تفشي جائحة "كوفيد-19"، تحولت دورة 2020 إلى صيغة افتراضية، مما يعكس الظروف الاستثنائية التي واجهها العالم وقطاع الطاقة.
اعتمدت تلك المرحلة على المنصات الرقمية والتجارب ثلاثية الأبعاد لعرض تقنيات الطاقة وسلاسل القيمة، مما مثل تحولاً مؤقتاً في آلية تنظيم الحدث.
مع عودة الفعاليات الحضورية في 2021، دخل "أديبك" مرحلة جديدة من التوسع خارج الإطار التقليدي لقطاع النفط والغاز، مع زيادة مشاركة صانعي السياسات، والجهات الحكومية، وقطاعات الصناعة والتكنولوجيا، ومؤسسات البحث والتطوير.
بين عامي 2021 و2024، تحول الحدث إلى مؤتمر يجمع منظومة أوسع تشمل الطاقة، والتكنولوجيا، والصناعة، والتصنيع، والسلامة، إلى جانب الشركات الناشئة والأكاديميين والأجيال الصاعدة.
في عام 2023، ومع تصاعد الاهتمام العالمي بالتحول في قطاع الطاقة، أقيم "أديبك" تحت شعار "إزالة الكربون.. أسرع معاً".
جذب الحدث أكثر من 184 ألف مشارك من 160 دولة، وأكثر من 2,200 شركة، بحضور أكثر من 40 وزيراً و120 رئيساً تنفيذياً، مما يؤكد تحول "أديبك" إلى منصة تتجاوز عرض المعدات لتناقش السياسات والقرارات التي ترسم مستقبل منظومة الطاقة العالمية.
شكل عام 2024 محطة رمزية مع انعقاد الدورة الأربعين تحت شعار "تواصل العقول.. تحويل الطاقة"، مسجلاً حضور أكثر من 205 آلاف مشارك من 172 دولة.
شهدت تلك الدورة إطلاق منطقة مخصصة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مؤتمر للرقمنة والتكنولوجيا، في تحول يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من دور التقنية المساندة إلى محور مؤثر في كفاءة عمليات الطاقة والإنتاج وإدارة الانبعاثات.
تجاوزت قيمة الصفقات الموقعة خلال الدورة 10 مليارات دولار، بينما ضم البرنامج 370 جلسة وأكثر من 1,800 متحدث.
واصلت دورة عام 2025 هذا المسار تحت شعار "طاقة ذكية لتقدم متسارع"، محققة رقماً قياسياً بلغ 239709 مشاركين من 172 دولة، بزيادة نسبتها 17 بالمئة عن الدورة السابقة.
كما شهدت توسعة منطقة الذكاء الاصطناعي، وإضافة مناطق متخصصة في الرقمنة، وخفض الانبعاثات، والكيماويات، والحلول منخفضة الكربون. بلغت قيمة الصفقات عبر القطاعات نحو 46 مليار دولار من خلال 35 ألف صفقة، وقُدّرت مساهمته الاقتصادية في اقتصاد أبوظبي بنحو 400 مليون دولار.
تأتي دورة العام الجاري في مرحلة جديدة من تحولات قطاع الطاقة العالمي، تتداخل فيها زيادة الطلب على الطاقة مع التقلبات الجيوسياسية، والضغوط على البنية التحتية، والتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تنطلق نسخة 2026 بمشاركة متوقعة لـ 239 ألف زائر يمثلون أكثر من 170 دولة، وأكثر من 2250 شركة عارضة، و1800 متحدث، و30 جناحاً للدول المشاركة.