اللاتمركز الإداري رافعة للتنمية المجالية
مع بزوغ فجر العهد الجديد، وبالضبط يوم 12 أكتوبر 1999، كان جلالة الملك قد وجه خطابا ساميا إلى المسؤولين عن الجهات والولايات والعمالات والأقاليم من رجال الإدارة وممثلي المواطنين، عرض فيه مشروعا جديدا للتدبير، ومفهوما جديدا للسلطة، مؤكدا على أن خيار اللامركزية خيار راسخ، “لا يمكن أن تحقق الأهداف المتوخاة منها إلا إذا واكبها مسلسل عدم التركيز الذي يقضي بنقل اختصاصات الإدارة المركزية إلى مندوبيها المحليين”.
لا شك أن مفهوم اللاتمركز الإداري هو مفهوم أصيل في مضمونه في الأنظمة التدبيرية التي عرفها المغرب الحديث. وفي تجلياته الخطابية الرسمية في المغرب المعاصر، لكنه لم يتحول إلى ثقافة تدبيرية قادرة على الرفع من الوعي الجمعي الإداري في العلاقة بين القرار المركزي وتجلياته التنفيذية متعددة المستويات في الهياكل التنظيمية للتدبير الإداري، في علاقة مع التدبير المجالي والترابي، ويجعل العلاقة بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب دعامتين أساسيتين للتنمية الترابية والمجالية، في ظل خصوصية كل جهة، وامتداداتها الإقليمية والمحلية.
مع المرسوم رقم 2.17.618 الصادر في 26 دجنبر 2018 بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، والمستند إلى جملة أحكام دستورية أقرها دستور المملكة لسنة 2011 انتقل المفهوم من مضمون تدبيري إلى رؤية وأحكام قانونية موحدة وملزمة. فكان من أهم توجهاته وأهدافه: التطبيق الأمثل للتوجهات العامة وتوطين السياسات العمومية؛ ومواكبة الجهوية المتقدمة وتعزيز التكامل؛ وتفعيل الشراكة والدعم للجماعات الترابية؛ وضمان التقائية السياسات وتحقيق الفعالية؛ وتقريب الخدمات العمومية التي تقدمها الدولة إلى المرتفقين، وتحسين جودتها، وتأمين استمراريتها، مع تبسيط إجراءات الولوج إليها والتعريف بها. ومن أهم مرتكزاته أنه اعتبر الجهة فضاء ترابيا ملائما لبلورة السياسة الوطنية للاتمركز الإداري.
في خطاب العرش لسنة 2025 قال جلالة الملك: ” لقد حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية، في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية”. ودعا إلى الانتقال “من المقاربة التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة”. ومن أجل ذلك وجه جلالته الحكومة “لاعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية”، على أن تركز هذه البرنامج على: دعم التشغيل؛ وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية في مجالي التربية والتعليم، والرعاية الصحية؛ واعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تزايد حدة الإجهاد المائي وتغير المناخ؛ وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج، في انسجام مع المشاريع الوطنية الكبرى، التي تعرفها البلاد.
وإذا كان جلالة الملك في خطابه الموجه لنواب الأمة، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم 09 أكتوبر الجاري، اعتبر “الظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات”؛ وتطلع جلالته “أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية”؛ وحدد الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة في “العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها”؛ وأكد على أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري”؛ فإنه كذلك أكد بشكل واضح على “أن التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين”؛ وشدد بشكل قاطع على ” أنه لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات”.
لا يمكن قراءة هذا التوجيه الملكي السامي باعتباره مجرد دعوة إلى تسريع ورش إداري مؤجل، أو استكمال إجراء تنظيمي يروم إعادة توزيع الاختصاصات بين الإدارات المركزية ومصالحها الترابية؛ وإنما يمكن مقاربته من منظور يتيح النفاذ إلى مضمره المؤسساتي والرمزي، واستكشاف ما يطرحه من أسئلة عميقة حول علاقة السلطة بالمجال، والمركز بالهامش، والمعرفة المحلية بصناعة القرار، ومدى قدرة الدولة على تجاوز التفاوتات التي راكمتها أنماط التدبير التقليدية للتنمية. فحين يؤكد جلالة الملك أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل»، فإن الخطاب ينتقل من التأكيد على أهمية الإصلاح إلى التشديد على ضرورة إنجازه. وحين يربط التفعيل الكامل بنقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية، فإنه يضع الأصبع على جوهر الإشكال: لا يمكن الحديث عن تنمية ترابية حقيقية ما دامت المسؤولية موزعة على مستويات متعددة، بينما تظل أدوات القرار والقدرة على الفعل متمركزة في مستويات أخرى.
من هنا، يصبح اللاتمركز الإداري أكثر من مجرد إعادة تنظيم لبنيات الدولة؛ إنه مدخل لإعادة التفكير في الثقافة التي تحكم إنتاج القرار العمومي وتوزيع إمكانات التنمية، وفي مدى قدرة المؤسسات على الانتقال من منطق التحكم المركزي إلى منطق التدبير الترابي الفعال، القائم على المعرفة بالواقع المحلي والاستجابة لحاجات المواطنين.
من تحليل مركزية القرار إلى تفكيك مركزية التمثلات:
يجب النظر إلى المركزية، في هذا السياق، باعتبارها بنية إدارية ورمزية في آن واحد. فهي لا تتجسد فقط في تمركز الاختصاصات والموارد داخل الإدارات المركزية، وإنما قد تظهر أيضا في تمركز المعرفة، والقدرة على تعريف المشكلات، وتحديد الأولويات، وصياغة الحلول. فالمركز، بهذا المعنى، لا يحتكر القرار فحسب، وإنما قد يحتكر كذلك تحديد ما يستحق أن يكون أولوية تنموية، وكيف ينبغي ترتيب الحاجات، وأي المجالات تستحق الاستثمار، وأي الفئات الاجتماعية ينبغي أن تحظى بالاهتمام. أما المجال الترابي، فقد يُختزل في فضاء لتلقي السياسات العمومية وتنفيذها، حتى عندما يمتلك من الخصوصيات والمؤهلات والمعرفة المحلية ما يؤهله للمساهمة في صياغتها.
على هذا الأساس، فإن المضمر الثقافي الذي يستحق المساءلة، هنا، هو استمرار تصور ضمني يعتبر أن المعرفة التنموية تتشكل في المركز، وأن الأقاليم والجهات لا يتجاوز دورها استيعاب القرارات وتنفيذها. والحال أن المعرفة بالمجال لا تُنتج وتُصاغ في المكاتب المركزية وحدها، وإنما تتشكل أيضا من التجربة اليومية للسكان، ومن حاجات الجماعات الترابية المحلية وانشغالاتها الحقيقية، ومن خبرة الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، ومن فهمهم للعوائق التي تحد من إمكانات التنمية. لذلك فإن نقل الصلاحيات لا ينبغي أن يكون مجرد نقل للاختصاصات الإدارية، وإنما ينبغي أن يصاحبه اعتراف مؤسساتي بقيمة المعرفة الترابية، وتمكين الجهات من الإسهام في صياغة السياسات التي تخصها، لا الاكتفاء بتنفيذها.
الجهوية المتقدمة: مساءلة العلاقة بين المركز والهامش
تكتسب الجهوية المتقدمة معناها العميق حين تُقرأ باعتبارها مشروعا لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجال، بما يسمح بتجاوز الاختلالات التي قد تنتج عن تفاوت توزيع الموارد والاستثمارات والخدمات العمومية. فالهامش، في القراءة النقدية، ليس بالضرورة مجالا يفتقر إلى المؤهلات، وإنما قد يكون مجالا يمتلك ثروات طبيعية وبشرية وثقافية مهمة، لكنه لا يحظى بالقدر الكافي من الاعتراف بهذه المؤهلات، أو تحويلها إلى فرص اقتصادية واجتماعية. وهنا تبرز المفارقة بين غنى المجال، وضعف استفادته من إمكاناته؛ إذ لا ترتبط التنمية دائما بحجم الموارد المتاحة، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على تعبئتها، وبكيفية توزيع الاستثمار، وبمدى إشراك السكان في تحديد أولوياتهم.
إن الجهوية المتقدمة، بهذا المعنى، لا تعني تقسيم التراب الوطني إلى وحدات إدارية وحسب، وإنما تقتضي إعادة الاعتبار إلى المجال بوصفه منتجا للمعرفة والقيمة والثقافة والثروة والرؤية التنموية، وفضاء تتفاعل داخله الحاجات الاجتماعية مع الإمكانات الاقتصادية والموارد المتوفرة والخصوصيات الثقافية. لذلك، فإن نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات والأقاليم ينبغي أن يفتح المجال أمام سياسات تنموية تراعي التفاوتات المجالية، وتستجيب لحاجات المناطق القروية والجبلية والنائية، ولا تختزل التنمية في المؤشرات الاقتصادية الكبرى، أو في جاذبية المراكز الحضرية والاستثمارات المتمركزة فيها. لأن العدالة المجالية لا تتحقق بمجرد توزيع المشاريع على الخريطة، وإنما بإعادة النظر في الشروط التي تجعل بعض المجالات أكثر قدرة على استقطاب الموارد والاستثمارات من غيرها.
اللاتمركز الإداري وتفكيك ثقافة الانتظار والبطء:
إن عبارة «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» تفتح أيضا بابا لقراءة ثقافية للزمن الإداري. فالتأخير لا يظل محصورا في المراسلات والملفات والمساطر والإجراءات، وإنما قد يتحول إلى تجربة اجتماعية متكررة يعيشها المواطن حين ينتظر خدمة، أو تتعطل مصالحه بسبب غياب قرار، أو يتأخر مشروع كان يفترض أن يحسن شروط عيشه. ومع تراكم هذه التجارب، قد تتشكل ثقافة اجتماعية تتعايش مع بطء الإدارة، وتتعامل معه بوصفه أمرا طبيعيا، كما قد تتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة للحاجات اليومية. ومن هذا المنطلق، فإن محاربة التماطل ليست مجرد تحسين تقني للأداء الإداري، وإنما هي أيضا مواجهة لثقافة مؤسساتية تجعل المسطرة غاية في ذاتها، وتفصل بين اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه. لهذا فإن المطلوب هو الانتقال من إدارة تجعل المواطن ينتظر القرار، إلى إدارة تمتلك القدرة على اتخاذه في المستوى المناسب؛ ومن تدبير يقيس نجاحه بسلامة الإجراءات وحدها، إلى تدبير يوازن بين احترام القانون وسرعة الإنجاز وجودة الخدمة. غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق بإلغاء الضوابط، أو تجاوز المساطر القانونية، وإنما بإعادة تصميمها، وتحديد المسؤوليات، وتقليص التداخل بين الاختصاصات، وتوفير الموارد اللازمة، واعتماد آليات واضحة للتقييم والمحاسبة. فاللاتمركز الفعال يعني إدارة أكثر قدرة على تطبيق القانون وتحقيق أهدافه في الزمن المناسب.
نقل الموارد: من تفويض المسؤولية إلى تمكين الفعل الميداني
لا شك في أن الربط بين الصلاحيات والموارد البشرية والمالية يحمل دلالة مركزية في فهم فلسفة التوجيه الملكي. فالمسؤولية التي لا تسندها سلطة فعلية تظل مسؤولية ناقصة، والاختصاص الذي لا تواكبه إمكانات بشرية ومالية يتحول إلى تكليف يصعب إنجازه. ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في إعلان نقل الاختصاصات فحسب، وإنما في ضمان انتقال فعلي للقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وفي الانتقال من مجرد تفويض للاختصاصات والمسؤوليات إلى تمكين الفعل الميداني وفق مقاربة القرب الإداري والمجالي والتنموي. يقول جلالة الملك في ذات خطاب 09 أكتوبر 2026: “إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها”.
من العدالة المجالية إلى العدالة الثقافية
لا تقتصر العدالة المجالية على ضمان توزيع متوازن للبنيات التحتية والخدمات، وإنما تمتد إلى الاعتراف بخصوصيات المجالات وبأشكال المعرفة والثقافة التي تنتجها مجتمعاتها المحلية. فالمقاربة التنموية التي تتجاهل الخصوصيات الثقافية قد تنتهي إلى فرض نماذج موحدة على مجالات مختلفة، فتضعف قدرتها على الاستفادة من مؤهلاتها الذاتية. أما المقاربة التي تستحضر هذه الخصوصيات، فإنها تستطيع تحويل الثقافة والتراث واللغة والذاكرة المحلية إلى عناصر للإبداع والتنمية، من دون عزل المجال عن محيطه الوطني أو اختزاله في هويته المحلية. ومن هذا المنظور، يمكن للجهوية المتقدمة أن تتيح إعادة الاعتبار إلى التراث الثقافي المحلي والاستثمار المنتج فيه، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية، وتشجيع البحث العلمي المرتبط بحاجات الجهات، وربط المؤسسات التعليمية والجامعية بمشاريع التنمية الترابية المندمجة. كما يمكنها أن تفتح المجال أمام مشاركة أوسع للنساء والشباب والفاعلين المدنيين في تحديد الأولويات، بما يجعل التنمية عملية تشاركية منفتحة على التكامل بين الأجيال واستدامة الرؤى، لا مجرد استجابة تقنية لحاجات يجري تعريفها من خارج المجال.
إن الاعتراف بالخصوصيات الجهوية لا يعني الانغلاق أو الانفصال، وإنما يعني بناء الوحدة الوطنية على أساس الإنصاف والتكامل والتضامن، بحيث تصبح الاختلافات المجالية والثقافية مصدر غنى للمشروع التنموي المشترك.
كيف يمكن تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة؟
إن الانتقال من مركزية القرار إلى فعالية التدبير الترابي يقتضي:
أولا، وضع خريطة واضحة للاختصاصات التي يتعين نقلها، وتحديد آجال التنفيذ والمسؤوليات المرتبطة بها، مع توفير الموارد البشرية والمالية الضرورية.
ثانيا، إعادة بناء منظومة للتنسيق بين المصالح اللاممركزة للدولة والجهات والجماعات الترابية، بما يمنع تضارب الاختصاصات ويضمن انسجام البرامج والمشاريع.
ثالثا، اعتماد تخطيط ترابي ينطلق من تشخيص ميداني للحاجات، ويستند إلى بيانات دقيقة حول الفوارق في الولوج إلى التعليم والصحة والنقل والتشغيل والاتصال الرقمي، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر هشاشة.
رابعا: إعادة النظر في المنظومة الضريبية والرسوم والمخططات العمرانية وتكييفها وملاءمتها على أساس التنوع المرتبط بخصوصيات الجهات، وتكلفة العيش، ومناخ الاستثمار، وتكلفة الإنتاج والتوزيع المتعلقة بالحاجات الأساسية للمواطن بكل جهة من الجهات.
خامسا: تفعيل أشكال جديدة للتضامن بين الجهات، مع التركيز على الاستثمار في الموارد التي تتوفر عليها كل جهة بما يضمن التكامل ويحد من مغرب السرعتين.
سادسا: إرساء مقاربة جديدة للتأهيل متعدد المستويات للنساء والشباب في إطار منظومة متكاملة للنهوض بالموارد البشرية، يستجيب لمطلب التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وهو أمر يجب أن تنخرط فيه الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، في إطار التنشئة الاجتماعية والتنشئة الوظيفية والمهنية، من أجل اندماج وازن للنساء والشباب، يجعل المساواة واقعا والمناصفة مسارا متحركا في ظل منظومة وطنية متكاملة دعامتها الأساسية الجهوية المتقدمة. لأن الجهوية كمطلب تنموي هو قضية دولة ومجتمع يجب أن يشارك في إرسائها وتنميتها وتطويرها الجميع.
سابعا: إرساء ثقافة جديدة للمساءلة، لا تكتفي برصد الأموال التي جرى صرفها أو المشاريع التي أُطلقت، وإنما تقيس الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة السكان، وتتيح لهم الاطلاع على النتائج والمشاركة في تقييمها.
ثامنا: توسيع المشاركة المجتمعية في صناعة القرار، من خلال آليات التشاور والحوار العمومي، وتمكين النساء والشباب والفاعلين الثقافيين والاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين من الإسهام الفعلي في بلورة التصورات التنموية ومراقبة تنفيذها، بما يسهم في فرز نخب جهوية ومحلية قادرة على إنتاج خطاب تنموي فعال، في ظل خصوصيات الجهة، وإمكانياتها الاستثمارية والإنتاجية والبشرية.
بهذه الشروط، يصبح اللاتمركز الإداري رافعة للجهوية المتقدمة، وتتحول الجهة من مجرد مجال لتنفيذ السياسات العمومية إلى فضاء للمبادرة والابتكار وصناعة وابتكار الحلول الملائمة والممكنة.
خلاصة القول:
إن التوجيه الملكي المتعلق بإنهاء التأخير في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري يضعنا أمام سؤال يتجاوز بنية الإدارة إلى الثقافة التي تؤطر عملها؛ ويتجاوز توزيع الاختصاصات إلى توزيع القدرة على الفعل؛ ويتجاوز التنمية بوصفها أرقاما ومشاريع إلى التنمية بوصفها عدالة في الفرص، واعترافا بخصوصيات المجال وكرامة الإنسان.
ومن زاوية النقد الثقافي، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في تفكيك التصورات والممارسات التي تجعل المركز المصدر الوحيد للقرار والمعرفة، والهامش مجالا للتلقي والانتظار؛ وفي بناء علاقة جديدة بين الدولة والجهات تقوم على التكامل والثقة وتوزيع المسؤولية والاعتراف بقيمة المعرفة المحلية. لأن الجهوية المتقدمة لا تكتمل بمجرد نقل الصلاحيات والموارد، وإنما حين يصبح المجال الترابي شريكا فعليا في إنتاج التنمية ومقوماتها، وحين تتحول الخصوصيات الجهوية من معطيات هامشية إلى عناصر مؤسسة للسياسات العمومية، وحين يقاس نجاح الإدارة بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة المواطنين.
إن التحدي، في نهاية المطاف، ليس التسريع في مسار نقل الإدارة من المركز إلى الجهات فحسب، وإنما الانتقال من ثقافة تحتكر القرار، إلى ثقافة تتقاسم المسؤولية؛ ومن تنمية تُصاغ بعيدا عن المجال، إلى تنمية تنطلق منه؛ ومن وحدة تقوم على تشابه المجالات، إلى وحدة وطنية تتأسس على الإنصاف والاعتراف والتكامل والتضامن الوطني بين مختلف جهات المملكة.
The post اللاتمركز الإداري appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.