يلجأ عدد كبير من المسلمين، لا سيما في ساعات الليل المتأخرة، إلى البحث عن سور قرآنية تُحيي القلوب وتُزيل الهموم، مستندين إلى ما ورد في كتاب الله من آيات تُشفي الصدور. وقد أثنى المولى عز وجل على القرآن الكريم بوصفه شفاءً ورحمة للمؤمنين، حيث قال تبارك وتعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا».
وفي هذا السياق، نستعرض ما ورد من أحاديث وآراء علمية حول السور التي تُحيي القلب وتكشف الكرب، مع تحديد أفضل الأوقات والأعداد الموصى بها لقراءتها.
يُعد القرآن الكريم المعجزة الخالدة التي ستبقى حتى يوم القيامة، وقد احتوى بين دفتيه من الفضائل والرحمات ما لا يُحصى، فهو تنزيل من الرحمن الرحيم، وأُنزل على الرحمة المهداة للعالمين. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضائل عدة سور، من بينها: «الإنسان، طه، يوسف، يس، والبقرة»، وغيرها من السور التي تُسهم في تخفيف ضيق الصدر وكثرة الهموم، وفتح الأبواب المغلقة أمام المسلم والمسلمة.
تُعتبر سورة الشرح من السور القصيرة الواقعة في الجزء الثلاثين من المصحف، وقد اتفق العلماء على أنها من أفضل السور لإحياء القلب وشرح الصدر، لا سيما أنها كانت سبباً مباشراً في شرح صدر النبي عليه الصلاة والسلام.
تُصنف هذه السورة ضمن السور المكية، وتضم 8 آيات، وتُعرف أيضاً باسم «سورة ألم نشرح» أو «سورة الانشراح». وقد أوضح الإمام ابن كثير في تفسيره أن قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك» يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحاً رحباً واسعاً، على غرار قوله تعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» [الأنعام: 125]. وكما شرح الله صدر نبيه، كذلك جعل شرعه فسيحاً وسهلاً، خالياً من الحرج والإصر والضيق.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين نزلت آيات سورة الشرح، بشّر بها أصحابه قائلاً: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ». وتُعد هذه السورة من السور التي تُثلج الصدور عند تلاوتها، وتُزيل الأحزان من القلوب، كما أنها تُبعد الهموم والطاقة السلبية عن البيوت.
إضافة إلى ذلك، تُعد سورة الشرح من أسباب تيسير الزواج، فكثرة قراءتها تُفرج الكروب وتُيسر الأمور، وتزيد الرزق، وترفع الدرجات، وتنير البصيرة. كما أنها تجلب السعادة وتُفرح القلوب، وتطهر النفوس من الأمراض النفسية، وتشفي الأجساد من العلل والأسقام. وتبعث التلاوة في الجسم حالة من النشاط، وكثرة القراءة سبب في مغفرة الذنوب والمعاصي.
روى أبو بن كعب أن أبا هريرة كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور لا يسألها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ [قال: نعم] فاستقبلاني بوجوه لم أرها [لخلق] قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط. فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصر. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج، شبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو، رقة على الصغير، ورحمة للكبير».
وكشف الشيخ محمد متولي الشعراوي، إمام الدعاة ووزير الأوقاف الأسبق، عن مكافأة عظيمة في فضل سورة الشرح، خاصة لمن يعاني من الكرب أو غياب الذرية أو يبحث عن قضاء حاجته. ونصح بقراءة سورة الشرح 314 مرة في الثلث الأخير من الليل، مستنداً إلى ما ورد فيها من أن العسر لن يغلب يسرين، مشدداً على ضرورة الثقة في قضاء الحاجة من خلال هذه القراءة.
كما ذكر بعض أهل العلم أن قراءة الآيتين الأولى والثانية من سورة الشرح: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)» 40 مرة، من الأمور التي تجلب الرزق وتُيسر الأمور.
وفيما يتعلق بالسورة التي تُحيي القلب، أوضح الدكتور محمود شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن القرآن الكريم كله يريح القلب ويزيل الهم، مستشهداً بقوله تعالى في سورة الإسراء الآية 82: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا».
وأضاف «شلبي» في رده على سؤال حول السورة التي تريح القلب وتزيل الهم، أن على كل إنسان أن يقرأ ما تيسر من القرآن الكريم. فبعض الناس يجدون الراحة عند قراءة سورة الرحمن، وآخرون يجدونها في سورة يس، وهناك من يرتاح عند قراءة سورة البقرة، ومنهم من يستريح بالبكاء في الصلاة.
ونصح السائل قائلاً: «اقرأ ما تيسر من القرآن، وعندما تشعر أن قلبك ارتاح عند سورة معينة أو على فعل معين، فاستمر في فعل هذه العبادة أو تلاوة هذه السورة، هكذا كان يقول أهل الله». وشدد على أن على كل إنسان أن يؤدي ما عليه من فرائض، ثم يؤدي ما شاء من العبادات، فهذه الأمور تُريح القلب.
وتُعد سورة يوسف أيضاً من أفضل السور لإزالة الهم والحزن، لما لها من فضل كبير في شفاء صدور المؤمنين من الهم والكرب. وقد نزلت هذه السورة على رسولنا الكريم في عام الحزن، عندما فقد الرسول عليه الصلاة والسلام زوجته السيدة خديجة وعمه أبا طالب، فكانت هذه السورة من الأسباب التي أزالت عنه الهم والحزن اللذين سكنا قلبه. لذا يرجح الكثير من العلماء المسلمين أن قراءة هذه السورة للمهموم والحزين أمر محبب، لما تحمله من معاني إزالة الشدة بعد الفرج.
ومن الأحاديث الواردة عن الرسول الكريم في فضل هذه السورة قوله صلى الله عليه وسلم: «علِّموا أرقَّاءَكُم سورةَ يوسُفَ؛ فإنَّه أيُّما مسلمٍ تلاها مُعلِّمَها أهلَهُ وما ملكتْ يمينُهُ، هوَّنَ اللهُ عليه سكَرات الموتِ، وأعطاهُ القوَّةَ ألَّا يحسُدَ مسلمًا».