غابت “التمويلات المبتكرة” عن المقتضيات المالية المعلنة في مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027، بعدما شكلت خلال السنوات الماضية مصدراً لتعبئة عشرات المليارات من الدراهم، فيما برمجت الحكومة تحصيل 6 مليارات درهم من تفويت مساهمات الدولة، وكشفت عن إعداد مشروع قانون جديد يتعلق بنظام الخوصصة، دون تحديد عدد أو أسماء المؤسسات والمقاولات العمومية التي تعتزم بيعها أو تفويت حصص من رأسمالها.
ويأتي هذا الغياب بعدما نص منشور إعداد ميزانية 2027، الصادر في 5 غشت الماضي، على عدم اللجوء إلى مداخيل التمويلات المبتكرة، التي كانت التوقعات السابقة تراهن على تعبئة 25 مليار درهم منها خلال السنة المقبلة، قبل التخلي عن برمجتها.
وتقوم هذه الآلية، المعروفة بعمليات “البيع وإعادة الاستئجار”، على تفويت الدولة عقارات ومبانٍ عمومية إلى مؤسسات استثمارية مقابل مبالغ مالية فورية، مع احتفاظها باستعمالها مقابل إيجارات سنوية بموجب عقود طويلة الأجل.
وقد أتاحت هذه العمليات للحكومات المتعاقبة تعبئة موارد مالية دون اللجوء المباشر إلى الاقتراض، لكنها أثارت جدلاً بشأن طبيعتها المحاسبية، إذ تُسجل حصيلتها ضمن موارد الميزانية، بينما تتحمل الميزانيات اللاحقة أعباء الإيجارات، دون إدراج الالتزامات المستقبلية ضمن الدين المباشر للخزينة.
وبحسب تحقيق نشره موقع “أوريان 21” الفرنسي، بلغت حصيلة هذه العمليات نحو 158 مليار درهم بين 2019 والربع الثاني من 2026، منها 107 مليارات حتى نهاية 2024، و40.1 مليار سنة 2025، ونحو 10.9 مليارات خلال 2026. وأشار التحقيق إلى تفويت 592 عقاراً عمومياً خلال سنة 2024 وحدها، دون تقديم جرد شامل لجميع العقارات المفوتة منذ 2019.
ووصف التحقيق هذه الالتزامات بأنها شكل من «الديون الخفية»، مقدراً كلفة الإيجارات السنوية المحتملة بما يتراوح بين 7.9 و9.48 مليارات درهم، وهي تقديرات غير مؤكدة رسمياً.
وفي المقابل، يتوقع مشروع ميزانية 2027 تعبئة 6 مليارات درهم من تفويت مساهمات الدولة، دون تحديد المؤسسات أو الشركات المعنية، أو نسب المساهمات المزمع بيعها، رغم أن التقرير الحكومي حول المؤسسات والمقاولات العمومية يؤكد وجود 274 مؤسسة ومقاولة عمومية ضمن المحفظة العمومية.
ويكشف التقرير نفسه عن إعداد مشروع قانون جديد يتعلق بنظام الخوصصة، في إطار إصلاح القطاع العمومي، دون توضيح مضامينه التفصيلية أو موعد اعتماده.
ويثير غياب قائمة المؤسسات المعنية بالتفويت، إلى جانب عدم نشر تفاصيل عقود التمويلات المبتكرة السابقة، تساؤلات بشأن شفافية تدبير الأصول العمومية وحجم الالتزامات المالية المتراكمة، خصوصاً أن وقف عمليات البيع الجديدة لا يعفي الميزانية من أداء الإيجارات المستحقة خلال السنوات المقبلة، ولا يوضح شروط استعادة الدولة للعقارات التي سبق تفويتها.