في أحد شوارع الإسكندرية الراقية بمنطقة الأزاريطة، وعلى بُعد خطوات من أشهر معالم المدينة السياحية، تخطف الأنظار فيلا مميزة بتصميمها المعماري الفريد وزخارفها المميزة وحديقتها التي تضفي عليها طابعًا خاصًا.أصبحت هذه الفيلا مقصدًا للعديد من المهتمين بالثقافة، بعدما تحولت إلى مقر للمركز الثقافي الروسي "البيت الروسي"بالإسكندرية.
لكن وراء هذا المبنى التراثي حكاية تاريخية تعود إلى بدايات القرن العشرين، ترتبط بعائلة يونانية ثرية كان لها حضور بارز في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالإسكندرية، وهي عائلة سلفاجو، التي تركت بصمتها في تاريخ المدينة من خلال أنشطتها التجارية ومشاركتها في تأسيس عدد من المؤسسات المهمة.
وتروي "الدستور" في السطور التالية تاريخ فيلا سلفاجو، وأبرز ملامحها المعمارية، وحكاية العائلة التي ارتبط اسمها بهذا الصرح التراثي.
يقول الدكتور إسلام عاصم، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ونقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية، إن فيلا سلفاجو تقع في شارع البطالسة بحي الأزاريطة في الإسكندرية، وتشغل حاليًا مقر المركز الثقافي الروسي "البيت الروسي".
وأوضح أن الفيلا اشتراها مدير المركز السوفيتي بالقاهرة من أرملة قسطنطين سلفاجو عام 1965، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المبنى، الذي ارتبط في الأصل بإحدى العائلات اليونانية الثرية التي استقرت بالإسكندرية.
وتعود ملكية الفيلا الرئيسية إلى ميكاس، أو ميشيل سلفاجو، وزوجته أرجيني إيمانويل بيناكي، ابنة إيمانويل بيناكي، أحد كبار تجار القطن. وقد عاش الزوجان في الفيلا بعد زواجهما في 27 أبريل 1901.
وأضاف عاصم لـ"الدستور" أن الفيلا تتميز بتصميمها المعماري الرائع، من الداخل والخارج، حيث تضم سلمًا فخمًا مصنوعًا من الخشب النفيس، وأسقفًا مكسوة بالخشب، إلى جانب الزخارف النباتية الجميلة التي تضفي على المكان طابعًا فنيًا مميزًا.
وتضم الفيلا لوحة زجاجية ملونة تمثل سيدة المنزل محاطة بطفليها قسطنطين ولوليا، وهي من تصميم الفنان الفرنسي جورج نيريه، بما يعكس الاهتمام بالتفاصيل الفنية والجمالية التي تميز المبنى.
كما تتميز الفيلا بواجهاتها ذات الأعمدة، وسلالمها الرخامية، وأسقفها المرتفعة المزينة بالزخارف الجصية، وهي عناصر تعكس الطابع المعماري المميز للمباني التي شُيدت لتكون مقارًا لعائلات الإسكندرية الثرية خلال تلك الفترة.
وأشار أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر إلى أن عائلة سلفاجو تنتمي إلى أصول يونانية، وقد هاجرت إلى مصر عام 1864 واستقرت في الإسكندرية، حيث عملت في تجارة القطن وتصديره، حتى عُرفت باسم "بارونات القطن".
ولم تقتصر الأنشطة الاقتصادية للعائلة على تجارة القطن، بل امتدت لتشمل التمويل والعقارات التجارية والمرافق العامة والنقل والتأمين، وهو ما جعلها واحدة من العائلات التي كان لها حضور مؤثر في الحياة الاقتصادية بالإسكندرية.
وكان ميشيل سلفاجو بارونًا من بارونات القطن، وابنًا لقسطنطين سلفاجو ، الذي كان من المؤسسين الأوائل للبنك الأهلي المصري عام 1898.
كما شارك قسطنطين سلفاجو في تأسيس بنك الإسكندرية عام 1872، الذي أصبح لاحقًا البنك التجاري بالإسكندرية، وشركة الإسكندرية للمنتجات العامة عام 1883، وشركة مياه الإسكندرية، وشركة ترامواي الإسكندرية والرمل.
وامتد إسهام العائلة إلى مجال التعليم، حيث أسست مدرسة سلفاجو التجارية عام 1906، تخليدًا لذكرى قسطنطين سلفاجو، في خطوة تعكس امتداد حضور العائلة إلى مجالات متعددة داخل المجتمع السكندري.
وتولى ميشيل سلفاجو، نجل قسطنطين، رئاسة الجالية اليونانية بالإسكندرية لمدة 29 عامًا، خلال الفترة من 1919 إلى 1948، وهي أطول فترة رئاسة في تاريخ الجالية، بحسب المعلومات الواردة عن العائلة.
وكان ميشيل من أكثر رؤساء الجالية إنتاجية وأهمية، بينما سبق أن تولى والده قسطنطين رئاستها، بعدما انتُخب عام 1900 خلفًا لجورج أفيروف.
واستمر قسطنطين في منصبه حتى وفاته المفاجئة في 12 أغسطس 1901 بمدينة أوستند في بلجيكا، عن عمر ناهز 56 عامًا، ليواصل ابنه لاحقًا مسيرة العائلة في الحياة العامة للجالية اليونانية بالإسكندرية.
وخلال الحرب العالمية الثانية، استضافت عائلة سلفاجو الملك جورج الثاني، ملك اليونان، في الفيلا أثناء زيارته للإسكندرية، وقد انبهر الملك بما شاهده داخلها من قطع فنية ومظاهر للرفاهية، حتى إنه قال إن ما تضمه الفيلا من مقتنيات ومستوى من الرفاهية غير موجود في قصره باليونان، في واقعة تعكس ما كانت تتمتع به الفيلا من مكانة مميزة وما احتوته من عناصر فنية ومعمارية لافتة.
في أكتوبر 2025، عثرت بعثة أثرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار على كبسولة رصاصية، كانت جزءًا من وثائق التأسيس الموضوعة ضمن أساسات فيلا أخرى منفصلة شُيدت داخل حديقة الفيلا الرئيسية.
وتعود هذه الفيلا إلى قسطنطين م. سلفاجو ، نجل ميشيل سلفاجو، وقد احتوت الكبسولة على 13 عملة نقدية تعود إلى عهدي السلطان حسين كامل والملك فؤاد الأول، كما ضمت وثيقة مكتوبة باللغة اليونانية، مؤرخة في الأول من مايو 1937، وموقعة من قسطنطين م. سلفاجو ووالدته جوليا ك. سلفاجو.
وأشارت الوثيقة إلى أن وضع حجر الأساس للفيلا جرى في عهد الملك جورج الثاني ملك اليونان، والملك فاروق الأول ملك مصر، والبطريرك نيقولا الخامس بطريرك الإسكندرية، وميخائيل ك. سلفاجو رئيس الجالية اليونانية بالإسكندرية، وذلك تحت إشراف المعماري الفرنسي جان والتر.
وتكشف هذه الكبسولة جانبًا من تاريخ المبنى المنفصل الذي شُيد داخل حديقة الفيلا الرئيسية، إذ كانت الفيلا الثانية قد بناها ميشيل سلفاجو لابنه، إلا أنها هُدمت مع مرور الزمن، ولم يتبقَّ من هذا المجمع سوى القصر الرئيسي الذي يشغله حاليًا المركز الثقافي الروسي.
وتظل فيلا سلفاجو واحدة من المباني التي تحمل بين جدرانها صفحات من تاريخ الإسكندرية، بما تجمعه من قيمة معمارية وفنية وارتباط بعائلة كان لها دور بارز في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة.
والفيلا مسجلة ضمن قائمة التراث المعماري بالإسكندرية لدى الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وتُعد من المباني التراثية ذات القيمة المتميزة، لتبقى شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة.