في مساء الثلاثاء 20 أكتوبرالجاري، اتجهت الأنظار إلى دار الأوبرا المصرية، تعلو دقات المسرح فيسود الصمت، تُطفأ أنوار القاعة، وتُضاء القلوب لهفة وترقبا، يُفتح الستار إيذانا بافتتاح مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في دورته 34 المهداة إلى هاني شاكر.
على شاشة العرض، ظهر وجهه البشوش، وابتسامته الجميلة، وصوته الذي رافق قلوبنا وواكب مراحل حياتنا، وشهد انتقالنا من مرحلة إلى أخرى، نكبر، ونحب، ونحزن، ونفرح، ونفترق، ونعود.
ومع عرض الفيلم التسجيلي ضجت القاعة بالتنهدات، فلم يكن الفيلم عنه فقط وإنما عن جزء من حياة كل منا.
أرملته الوقور التي عاشت في ظله، تحبه وتسانده وتشجعه، صعدت للمسرح - ربما للمرة الأولى تترك مقعدها وسط الجمهور- لتتسلم درع تكريمه، حاولت التماسك لتقول كلمات موجزة لكن خانها قلبها وغلبتها الدموع، فبكت، وبكى ابنه وحفيداه، وبكينا معهم، دموع تبرهن على أن هاني لم ولن ينسى.
ارتجت القاعة بالتصفيق استحسانا لقرار إقامة تمثال هاني شاكر داخل ساحة دار الأوبرا المصرية فالفن لا يموت برحيل الجسد.
بدأت الموسيقى، لم يغن هاني، لكنه حضر في كل نغمة، تألقت أغنياته بهمسات وأصوات مشبعة بالحب والحزن والحنين.
لقد غنى الغياب في ليلة حب هاني شاكر، انتهى الحفل وغادر الجمهور لكن صوته لم يغادر القلوب، فسار كل منهم عائدا إلى منزله وهو يدندن في سره أغنية ما من أغاني هاني.
لم يكن هاني مطربًا صاخبًا، وإنما كان أميرًا للغناء العربي، والأمراء لا يصرخون، يكفيهم أن يهمسوا فيسمعهم الجميع. لقد علمنا أن الحب يجب أن يكون مهذبًا، والحزن راقيًا، والشوق حياءً، والعتاب همسًا، والألم نغمًا، واللوعة دمعًا صامتًا.
شكرا هاني، شكرا على صدق الإحساس ودفء المشاعر والحنان والوفاء والرقي والاحترام والأدب والحياء والنبل والذوق والرقة والعذوبة والصفاء والنقاء والسماحة والسمو والتواضع والوقار والبساطة والأصالة والأناقة والكياسة واللباقة والرصانة.
شكرا لأنك لقنت جيلنا وأجيالا قادمة كيف يكون الفنان كبيرًا دون ضجيج، ومحبوبًا دون ابتذال، وخالدًا دون صراخ. سأفتخر دوما بأنني عشت في زمن هاني شاكر. لن ننساك يا ضحكة مصر الحلوة.