د. رياض بن ناصر الفريجي
ليست كل رسالة مقنعة لأنها قيلت بثقة، ولا كل فكرة قوية لأنها عُرضت ببلاغة، أحيانًا تكمن قوة الرسالة في شيء أبسط وأعمق: أن تقود مقدماتها إلى نتيجتها بصورة يصعب معها الفصل بينهما.
وهنا يظهر أحد الفروق المهمة بين إبداء الرأي وبناء الحجة.
فالرأي يمكن أن يبدأ وينتهي عند صاحبه: أعتقد أن هذا القرار مناسب، أو أرى أن هذه المبادرة ستنجح، أو أظن أن هذا الخيار أفضل، أما الحجة فتضيف سؤالًا آخر: ما الذي يجعل هذه النتيجة منطقية بناءً على ما سبقها؟
وفي القرآن الكريم نماذج لافتة لهذا البناء، منها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فالآية تقيم علاقة واضحة بين المقدمة وما يترتب عليها؛ وجود آلهة متعددة يقود إلى فساد نظام السماوات والأرض، وانتفاء النتيجة يكشف ما وراءها من برهان.
ومن زاوية اتصالية، يلفتني هنا أن الإقناع لا يقوم على كثرة الشرح، وإنما على تماسك الطريق بين الفكرة وما يترتب عليها.
وهذا ما نفتقده أحيانًا في كثير من الخطابات.. نسمع النتيجة، لكننا لا نعرف الطريق الذي أوصل إليها.
تقول مؤسسة إن مشروعًا ما سيصنع أثرًا كبيرًا؛ هذه نتيجة.. لكن أين المقدمات التي تجعلها معقولة؟ ما المشكلة التي يعالجها المشروع؟ وما حجمها؟ وكيف ستؤدي أنشطته إلى التغيير المتوقع؟ وما المؤشرات التي ستكشف تحقق ذلك؟
كلما ظهرت الصلة بين هذه العناصر، أصبحت الرسالة أكثر قدرة على الإقناع؛ لأن الجمهور يستطيع أن يتتبع مسار الفكرة بدل أن يُطلب منه قبول نهايتها فقط.
وينطبق الأمر على الأرقام أيضًا؛ قد تعلن جهة عن تحقيق نسبة مرتفعة في مؤشر ما، فتبدو النتيجة مبهرة.. لكن القيمة الاتصالية الحقيقية تظهر عندما نفهم كيف تحققت، وما الذي تغير حتى وصل الأداء إليها، فالنتائج التي تنفصل عن مقدماتها قد تثير الانتباه، لكنها لا تبني دائمًا اقتناعًا راسخًا.
ولهذا أرى أن من الأخطاء الشائعة في الاتصال أن نهتم كثيرًا بصياغة الخلاصة، ونهتم بدرجة أقل ببناء الطريق المؤدي إليها.
نكتب: “حقق البرنامج أثرًا نوعيًا”، ثم نبحث عما يدعم العبارة، ونقول: “أسهمت المبادرة في تحسين التجربة”، ثم نحاول لاحقًا شرح العلاقة بين ما فعلناه وما تحقق.
والأقوى أن نسير في الاتجاه الآخر: نبني الحجة أولًا، ثم ندع النتيجة تأتي في مكانها الطبيعي.
وهذه المهارة مهمة كذلك في الاجتماعات والنقاشات المهنية؛ فحين يختلف فريق حول قرار، قد يكرر كل طرف موقفه بصوت أعلى أو بصياغة جديدة، بينما يمكن للنقاش أن يصبح أكثر إنتاجية إذا عاد إلى مقدماته: ما المعلومات التي نبني عليها القرار؟ وما العلاقة بينها وبين الخيار الذي نقترحه؟
فكثير من الخلافات التي تبدو خلافًا على النتائج تكون في حقيقتها خلافًا على المقدمات التي صنعتها.
وفي زمن أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج نصوص شديدة الطلاقة خلال ثوانٍ، تزداد قيمة هذه المهارة.. فسلامة العبارة وجمال بنائها لا يضمنان سلامة الاستدلال الذي تحمله؛ وقد نقرأ نصًا يبدو مقنعًا لغويًا، ثم نكتشف عند تفكيكه أن إحدى مقدماته لا تقود إلى ما بُني عليها.
لهذا أصبح من المهم ألا نسأل فقط: هل تبدو هذه الرسالة مقنعة؟
وإنما: هل تقود مقدماتها فعلًا إلى نتيجتها؟
فالبلاغة قد تجعل الفكرة جميلة، والثقة قد تجعلها مؤثرة، وكثرة التكرار قد تجعلها مألوفة.
أما الحجة المتماسكة فتمتلك قوة أخرى:
أن تحمل الطريق إلى نتيجتها داخلها.
تم نشر هذه المقالة الحجة التي تحمل نتيجتها للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.