بعد قراءتها البائسة للبيان الحكومي، قررت الآلة الدعائية الرسمية أن تقف وراء رئيسة الحكومة الجديدة وتهاجم منتقدي فاطمة الزهراء المنصوري بجعل اللغة العربية في مرمى نيرانها دون وجه حق، زاعمة أنها تخاطب بالأساس المغاربة وأن الدارجة هي لغة تواصلها معهم، متناسية أن ما استرعى فضول الآخرين من مشارقة وغيرهم هو ذلك المستوى الإعجازي الذي أظهرته المنصوري في حصد الأخطاء، وليست طلعتها البهية وما تترافع عنه من مواقف أو سياسات مستقبلية، فالترند لا جنسية له.
لقد كشف أنصار رئيسة الحكومة عن تواضع مستواهم في الرد أيضا، فمحاولتهم النيل من اللغة العربية هو خرق دستوري فاضح ممن يفترض منهم الولاء التام لكل ما هو رسمي. لكن رغبتهم في استدعاء تلك النغمة التي تطرب بعض المتشنجين، والذين سرعان ما تتم استثارتهم بهذا الخطاب بغية إنقاذها من ورطتها أنساهم تناقضهم الجوهري الذي وقعوا فيه.
لم تكن المنصوري أول مسؤول يرتكب مجازر في حق اللغة العربية ولن تكون الأخيرة، لكن العادة جرت أن يتوارى المسؤول عن الأبصار ويتجنب إصدار موقف قد يزيد الطين بلة، فيترك من ينوب عنه ليلتمس له الأعذار حتى ينسى الناس سقطاته اللغوية. أما هي فقد توهمت أن المعاندة والمكابرة وأن الفهلوة ستتكفل بطي الموضوع وكأن المشكلة تتلخص في نطق الهمزة.
إن حال المسؤولين كحال التلاميذ الطائشين وكحال آبائهم الذين يروجون لمبررات أبنائهم الواهية، حيث يتحول القصور إلى شيء يدعو للتفاخر، فهذا يزعم أن تدني مستواه راجع لضعفه اللغوي، والآخر بسبب نفوره من الحفظ، وهناك من يعزو مشكلته إلى مادة علمية أو إلى أستاذ معين. والحقيقة الماثلة أن الولد المدلل لا له في العير ولا في النفير وأن نقطه في كل المواد متردية، لكنه يختار شماعة يلقي عليها باللائمة ويحملها كل إخفاقاته حتى يحافظ على برستيجه وبرستيج أسرته.
وهذا حال الكثير من السلطويين مع اللغة العربية التي حولوها إلى حائط قصير، فهم متفضلون علينا بتواصلهم بها معنا من أبراجهم العاتية، ويكون ضعفهم فيها بمثابة امتحان أهلية ينفي عنهم تهمة التخلف والرجعية وبمثابة إثبات بأنهم أرفع من مخالطة مجتمع العربية. هذا مع أن قضاء سنوات من الدراسة دون التمكن من شيء أيا يكن ذلك الشيء يجب أن يشعر صاحبه بالخجل. ولينظروا إلى تمكن أصدقائهم في الكيان العبري من اللغة العربية التي يقضون سنوات أقل في الفصول الدراسية من أجل ضبطها.
أما الادعاء بأن اللغة العربية تحول بينهم وبين إظهار نبوغهم للعامة فهو ادعاء كاذب. فالقوم يعانون من عقم مزمن في التواصل والتعبير بكل اللغات بل حتى العامية لا يحسنون إلا التهريج بها، أما حكاية الفرنسة فما هي إلا صرعة انقضت مع الرعيل الأول، فلو كانوا ضليعين فيها لوجدتهم حاضرين للتصدي للحملات التي تشنها عليهم وسائل إعلام فرنسية والدولية، لكن الحقيقة أن فرنسيتهم لا تتجاوز الجوانب التواصلية السطحية المتعلقة بالمعاش اليومي.
تبقى اللغة العربية موحدة للمغاربة، لمن يحبها ولمن يمقتها على حد سواء، فهي عمليا لغة التخاطب الأساسية حتى عند شوفينيي الحركة الثقافية الأمازيغية، والتي يفضلونها في الكتابة وفي التواصل الشفهي مع المغاربة على الأمازيغية الممعيرة. أما الدارجة التي يراد لها أن تحل محل العربية الفصحى فهي في الحقيقة دارجات، فبأي لهجة ستخاطب رئيسة الحكومة الشعب؟ وهل ستكون لهجتها الجهوية المحلية مقبولة عند أهل الشمال وأهل الشرق وعند الناطقين بالحسانية والريفية والسوسية وغيرها؟
وماذا عن الجانب الكتابي فيها؟ هل ستحسن رئيسة الحكومة تهجئتها هي الأخرى علما أن أكثر من 90% من مفرداتها هي مقتبسة من اللغة العربية، وذلك رغم أن أنصارها يجتهدون عبثا في تخليصها من النفس العربي، كما أن روابطها اللغوية ليست إلا تحريفا عن مثيلاتها في العربية، فتتحول حيث إلى حيت وهذا إلى هاد ولذلك إلى داكشي وغيرها كثير. أما العبارات العامية الفاقعة فأكثرها شتائم أو عبارات منفرة كالتي تفوح منها رائحة روث البهائم كالفراقشية.
وهناك صرعة أخرى تعتمد عليها الآلة الدعائية الرسمية للقطع مع كل يشكك في الكفايات التواصلية لدى المسؤولين، وهي أنهم عمليون ولا وقت يملكونه للاستعراض اللغوي كأن التواصل ترف لا لزوم له، والحال أن مؤهلات السياسي بالدرجة الأولى يجب أن تكون لغوية تواصلية. فكيف سيقنع عامة الشعب به وببرنامجه السياسي وكيف سيحسن الإنصات لهم؟ وكيف سيخاطب مرؤوسيه؟ وكيف سيدافع عن المغرب في المحافل الدولية؟ وكيف سيتفاوض من أجل عقد الشراكات ومن أجل حلحلة الأزمات الدبلوماسية؟
أخيرا، وبدل التطاول على اللغة التي وحدت المغاربة لقرون كان حريا بكل أصحاب المناصب أن يجتهدوا في معالجة تعثراتهم اللغوية وأن يحضروا جيدا لما يقرأونه وأن يكفوا عن الاستسهال في مخاطبة المغاربة وفي الاستخفاف بعقولهم.