أعادت موجات التراجع التي شهدتها البورصة المصرية، تسليط الضوء على بدائل الاستثمار المتاحة أمام الأفراد، خاصة صغار المستثمرين الذين دخلوا سوق الأسهم بأعداد متزايدة خلال العام الحالي، وسط تساؤلات حول إمكانية توجيه جانب من مدخراتهم إلى الأصول العقارية عبر منصات الاستثمار الجزئي، لتنويع محافظهم والحد من التعرض لتقلبات أداة استثمارية واحدة.
وشهدت مؤشرات البورصة المصرية تراجعات جماعية حادة خلال الأسبوع الماضي، متأثرة بضغوط بيعية وعوامل اقتصادية وجيوسياسية مختلفة.
وهبط المؤشر الرئيسي (EGX30) بنسبة تجاوزت 2.85% ، في حين انخفض مؤشر (EGX100) بنسبة تجاوزت 10% في بعض الجلسات، مما اضطر إدارة البورصة إلى تعليق التداول.
ورغم أن انتقال السيولة من الأسهم إلى العقارات لا يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لتراجعات البورصة، فإن نمو نموذج الملكية الجزئية يفتح المجال أمام شريحة من المستثمرين لم تكن تمتلك في السابق القدرة المالية على دخول السوق العقاري، إذ يتيح الاستثمار في حصص من وحدات وأصول عقارية بمبالغ تقل كثير عن تكلفة شراء وحدة كاملة.
صقر: منصات القطاع مرشحة لاستقطاب شرائح جديدة من أصحاب المدخرات
قال أحمد صقر، الرئيس التنفيذى لمنصة فريدة، إن التراجعات الأخيرة التي شهدتها البورصة، وما صاحبها من مخاوف لدى المستثمرين بشأن احتمالات تكبد خسائر جديدة، قد تفتح المجال أمام منصات الاستثمار الجزئي في العقارات لاستقطاب شرائح جديدة من أصحاب المدخرات الباحثين عن أدوات استثمارية بديلة.
وأضاف أن العقار ينظر إليه باعتباره أحد الأوعية الاستثمارية القادرة على حفظ قيمة المدخرات والتحوط من التضخم، مشيراً إلى أن تراجع البورصة وأسعار الذهب، بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار، قد يدفع جانباً من الطلب الاستثماري إلى السوق العقارية باعتبارها أحد البدائل المتاحة لتنويع المحافظ الاستثمارية.
وأوضح صقر أن البورصة المصرية سجلت نحو 600 ألف كود جديد منذ بداية العام، معظمهم من فئة الشباب، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستثمرين الجدد في سوق المال، لافتاً إلى أن المخاوف من تقلبات الأسواق والخسائر المحتملة قد تدفع بعض هذه الشريحة إلى استكشاف الاستثمار الجزئي في العقارات.
وأشار إلى أن الشباب يمثلون المحرك الرئيسي لنشاط الاستثمار العقاري الجزئي خلال الفترة الحالية، مع استمرار وجود فرص أوسع لدمجهم ضمن منظومات استثمارية متعددة تتيح لهم تنويع استثماراتهم والدخول إلى السوق العقارية بمبالغ أقل مقارنة بشراء الوحدات بصورة تقليدية.
ولفت صقر إلى أن نوعية الأصول العقارية تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد العائد الاستثماري، موضحاً أن العقارات الإدارية والفندقية والطبية تعد من بين الأنشطة الأعلى قدرة على تحقيق عوائد إيجارية، بشرط توافر إدارة تشغيلية كفؤة تضمن استغلال الأصول وتحقيق معدلات إشغال مناسبة.
وأكد أن كفاءة التشغيل تمثل عاملاً حاسماً في تحديد العائد الفعلي للمستثمرين، إذ لا يرتبط تحقيق دخل إيجاري مرتفع بنوع العقار وحده، وإنما بقدرة الجهة المسؤولة عن إدارته على تشغيله بكفاءة وتعظيم الإيرادات الناتجة عنه.
مجدي: الملكية الجزئية تتيح توزيع المحافظ بين الأسهم والذهب والعقارات
وقال أيمن مجدي، العضو المنتدب لشركة «ناوي شيرز»، إن تراجعات البورصة لا تعني بالضرورة انتقال المستثمرين بصورة كاملة إلي العقار، لكنها تعيد التأكيد علي أهمية تنويع المحافظ الاستثمارية بين الأصول المختلفة، باعتبار أن أداء الأوعية الاستثمارية يتباين من فترة لأخري، ولا يمكن الاعتماد على أصل واحد بصورة دائمة.
أضاف أن الاستثمار العقاري يظل أحد أهم الأوعية الاستثمارية، مشيرًا إلى أن إتاحة الملكية الجزئية غيرت من قدرة الأفراد على توزيع مدخراتهم بين أكثر من أصل، بعدما كان الاستثمار العقاري يتطلب امتلاك سيولة كبيرة.
وأشار مجدي، إلى أن الاستثمار العقاري يجب أن يمثل نحو 30% على الأقل من المحفظة الاستثمارية، باعتبارها أحد الأصول التي تساعد على تنويع الاستثمارات والحفاظ على قيمة المدخرات.
وأوضح أن المستثمر الذي يستطيع تخصيص 10 آلاف جنيه شهريًا للاستثمار يمكنه توزيعها، بواقع 3 آلاف جنيه للأسهم، وألفي جنيه للذهب، و5 آلاف جنيه للاستثمار في حصة عقارية عبر المنصات المتخصصة، بما يتيح له بناء محفظة متنوعة وفقًا لقدراته المالية.
أضاف أن الميزة الأساسية لهذا النموذج تمتد إلى إتاحة إدارة الأصول بواسطة متخصصين يتولون دراسة الفرص واختيار المشروعات والوحدات المناسبة، والتفاوض للحصول على أسعار شراء وخطط سداد تنافسية، فضلًا عن إدارة عمليات إعادة البيع.
ولفت إلى أن اختيار الفرصة الاستثمارية الأفضل لا يرتبط بنوع العقار سواء كان سكني أو تجاري أو إداري بقدر ارتباطه بقدرة مدير الاستثمار على اختيار مطور يتمتع بسمعة جيدة ومشروع في موقع مناسب، إلى جانب انتقاء الوحدات التي تتيح فرصة أفضل لإعادة البيع مستقبلا، مع مرعاة سعر المتر عند الشراء.
وكشف مجدي عن أن حجم الحصص العقارية التي باعتها الشركة خلال العام الحالي تجاوز إجمالي ما حققته خلال أعوام 2023 و2024 و2025 مجتمعة، بنمو يزيد على ثلاثة أضعاف، لافتًا إلى أن نموذج الاستثمار الجزئي لا يزال في مرحلة الانتشار والتعريف بالسوق، مع تزايد اهتمام شرائح جديدة به.
وأشار إلى أن الشباب بين 22 و35 عامًا يمثلون شريحة مناسبة لهذا النموذج، خاصة أصحاب الدخول الثابتة الذين لا يمتلكون مدخرات كافية لشراء وحدات كاملة، ويمكنهم تخصيص مبالغ شهرية تتراوح بين 3 و4 آلاف جنيه للاستثمار في حصص عقارية وبناء أصول تدريجيًا.
ولفت إلى أن الاستثمار عبر هذه المنصات يناسب من يستهدف الاحتفاظ بأصوله على المدى المتوسط والطويل، إذ تتراوح المدة الاستثمارية التي يفضلها بين 4 و7 سنوات، مع اختلاف توقيت التخارج الفعلي وفقًا لظروف السوق والطلب على الوحدة.
أبوزيد: الاستثمار العقاري يحتاج أفقًا زمنيًا أطول مقارنة بأدوات السيولة المرتفعة
وقال أحمد أبوزيد، الشريك المؤسس لمجموعة امتلاك للاستثمار ورئيس مجلس إدارة مجموعة أبتاون 6 أكتوبر، إن التراجعات الأخيرة في البورصة المصرية ترتبط بعدة عوامل، من بينها التطورات الجيوسياسية وخروج جانب من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد الأداء القوي الذي سجلته السوق خلال الفترة الماضية.
وأضاف أن استخدام آلية الشراء بالهامش لدى بعض المستثمرين والمؤسسات قد يضاعف الضغوط البيعية، إذ تؤدي التراجعات إلى اضطرار بعض المتعاملين لبيع أجزاء من محافظهم لتغطية الالتزامات التمويلية، ما يزيد من حدة التحركات السعرية.
وشدد أبوزيد، على أن التعامل مع تراجعات البورصة لا ينبغي أن يقود إلى التخارج الكامل منها والانتقال إلى العقارات، وإنما يستلزم إعادة توزيع الاستثمارات وفقًا للأهداف المالية والقدرة على تحمل المخاطر، مؤكدًا أن تنويع المحفظة بين الأسهم والأصول العقارية والسندات وغيرها من الأدوات يحد من الاعتماد على مصدر واحد للعائد.
وأوضح أن الاستثمار في الحصص العقارية يختلف عن شراء أسهم شركات التطوير العقاري، ففي الحالة الأولى يمتلك المستثمر حصة في مشروع عقاري محدد، بينما تمنحه الأسهم حصة في الشركة نفسها، وهو اختلاف ينعكس على طبيعة المخاطر ومصادر العائد.
أشار أبوزيد، إلى أن الصناديق العقارية تتنوع بين إصدارات تستهدف تمويل تطوير مشروعات ثم بيعها وتوزيع الأرباح على حملة الوثائق، وأخرى تستحوذ على أصول قائمة ومدرة للدخل، مثل المراكز التجارية والمستشفيات والمدارس والوحدات السكنية والإدارية، لتحقيق إيرادات دورية من التأجير والتشغيل.
وأضاف أن الصناديق التي تستثمر في الأصول المدرة للدخل تجمع بين مصدرين محتملين للعائد، هما الزيادة في القيمة السوقية للعقار، والإيرادات الناتجة عن تشغيله أو تأجيره، موضحًا أن متوسط العائد الإيجاري للأصول السكنية يتراوح بين 4 و6%، مقابل 7 و9% للأصول التجارية.
أكد أبوزيد، أن الاستثمار العقاري يحتاج إلى أفق زمني أطول مقارنة بالأدوات التي تتسم بسيولة مرتفعة، مشيرًا إلى أن الدورة العقارية قد تمتد لنحو 6 سنوات، تتخللها مراحل من الاستقرار والانخفاض والارتفاع، ما يجعل توقيت الدخول والخروج عامل مؤثر في العائد المحقق.
وحذر من التعامل مع أي أداة استثمارية باعتبارها مضمونة العائد أو خالية من المخاطر، مؤكدًا صعوبة التنبؤ باتجاه الأسواق ومواعيد انتهاء التقلبات في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة، وأن قرار الاستثمار ينبغي أن يرتبط بدراسة طبيعة الأداة ومدى ملاءمتها لظروف المستثمر.