دعا المشاركون في الجلسة الأولى لقمة رؤساء الشركات العربية، المنعقدة تحت عنوان "صناعة الصلب العربية في عالم متغير.. نحو مستقبل أكثر تنافسية واستدامة"، إلى إعادة تشكيل صناعة الحديد والصلب العربية عبر بناء كيانات صناعية قوية ومتكاملة، وتعزيز الاستثمار في البحث والتطوير.
وأكد المشاركون، خلال الجلسة التي أدارها المهندس أحمد عز، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للحديد والصلب، أهمية وجود منتج وطني رئيسي للصلب يقود منظومة صناعية متكاملة، ويدعم تطوير الموردين المحليين والصناعات التحويلية، إلى جانب تنمية القدرات الفنية والبشرية والاستثمار في تطوير المنتجات ورفع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات.
الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص دعمت تنافسية صناعة الحديد والصلب السعودية
وقال بندر بن سليم رئيس اللجنة الوطنية لصناعة الحديد، إن الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص ساهمت في التوصل إلى حلول أكثر فاعلية دعمت تنافسية صناعة الحديد والصلب في المملكة العربية السعودية، مشيرًا إلى أن هذه الشراكة تمثل أحد المحاور الرئيسية لتنفيذ مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وأضاف أن صناعة الصلب السعودية شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الماضية، مع ظهور كيانات محلية قادرة على المنافسة، والاستفادة من المشروعات الكبرى والفعاليات الدولية والبطولات الرياضية التي تستضيفها المملكة، وما تفرضه من احتياجات متزايدة للصلب المستخدم في إنشاء الملاعب والمنشآت والبنية التحتية.
وأوضح بن سليم أن اللجنة الوطنية لصناعة الحديد تأسست بهدف توحيد صوت القطاع الخاص أمام صانع القرار، وتعزيز العمل المشترك مع الجهات الحكومية، مشيرًا إلى تشكيل فرق عمل متخصصة للمواد الخام وسلاسل الإمداد ومنتجات الأطوال والمسطحات، إلى جانب فريق اقتصادي وفريق مشترك مع هيئة المواصفات والمقاييس.
وأكد أن هذه اللجان أسهمت في الوصول إلى حلول مستدامة للتحديات التي تواجه الصناعة، فضلاً عن دورها التوعوي من خلال تنظيم المؤتمر السعودي للحديد والصلب كل عامين، مشيرًا إلى أن العمل المؤسسي المشترك بين الحكومة والقطاع الخاص ساعد على تسريع التعامل مع التحديات وتحقيق أثر إيجابي على أداء قطاع الصلب في المملكة.
من جانبه، قال المهندس أحمد عز رئيس الاتحاد العربي للحديد والصلب، إن الجزائر شهدت طفرة كبيرة في صناعة الصلب خلال السنوات الثماني الماضية، نجحت خلالها في جذب استثمارات عربية ودولية، والتحول من دولة يعتمد قطاع التشييد والبناء فيها على الاستيراد إلى دولة تمتلك فوائض إنتاجية مرشحة للزيادة.
الجزائر تتحول من مستورد إلى مصدر
وأوضح رضا لصلج المدير العام للمجمع الصناعي "سيدار" وعضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للحديد والصلب، أن الجزائر تحولت خلال السنوات الأخيرة من مستورد للحديد إلى مصدر، نتيجة تضافر جهود الشركات الحكومية والخاصة والاستثمارات العربية، مشيرًا إلى أن الشراكة الجزائرية القطرية تمثل نموذجًا للتعاون العربي في صناعة الصلب.
وأضاف أن الجزائر تعمل على مواكبة المتغيرات العالمية، وتوفر مناخًا جاذبًا للاستثمار في مختلف القطاعات، مؤكدًا أن المستثمر الذي يتقدم بخطة واضحة ونية جادة سيجد بيئة مناسبة لتنفيذ مشروعاته، رغم التحديات المرتبطة بالظروف الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
صناعة الصلب تواجه تحديات متزايدة
وأكد سعيد الرميثي الرئيس التنفيذي لمجموعة "إمستيل" الإماراتية، أن صناعة الصلب تواجه تحديات متزايدة تتمثل في فائض الإنتاج العالمي، وتصاعد الإجراءات الحمائية، وتباطؤ الطلب على منتجات الحديد عالميًا، مشددًا على ضرورة تحقيق التكامل في تجارة الصلب داخل المنطقة العربية.
وأشار إلى أن الإمارات تواجه منذ مارس 2026 تحديات لوجستية أثرت على إمدادات الصناعة، ما صعّب وصول المواد الخام إلى المصانع، رغم قوة الطلب المحلي، مؤكدًا أن هذه الظروف أظهرت مرونة الشركات والمصانع الإماراتية التي تعمل بطاقتها الإنتاجية القصوى.
وقال إن وجود تكامل عربي كان سيساعد على تحسين التعامل مع هذه التحديات وتقليل آثار اضطراب سلاسل الإمداد، مشيدًا بكفاءة شركات الصلب الخليجية وقدرتها على العمل في ظروف تشغيلية وجيوسياسية معقدة.
التكامل العربي في صناعة الصلب يتطلب إجراءات عملية
وأكد المشاركون أن تحويل التكامل العربي إلى واقع يتطلب إجراءات عملية تشمل توحيد قواعد المنشأ، وتيسير إجراءات إثباتها والتحقق منها، وتبسيط عمليات التخليص الجمركي، وتقارب المواصفات وإجراءات الفحص والاعتماد، إلى جانب تطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية بين الدول العربية.
وشددوا على أهمية مراعاة المراحل المختلفة لسلاسل الإنتاج عند تصميم السياسات الجمركية، بما يدعم تعميق التصنيع المحلي وتداول المدخلات والمنتجات العربية داخل المنطقة، ويعزز إحلال الواردات من خارجها بمنتجات عربية تنافسية.
وفيما يتعلق بالصلب الأخضر، أوضح الرميثي أن الدول العربية تستهلك نحو 45 مليون طن من الصلب سنويًا، بينما لا يتجاوز إنتاجها 18 مليون طن، ما يعكس فجوة كبيرة وفرصة واعدة للتوسع والاستثمار.
وأضاف أن الاستثمار في سوق عربية منفردة قد لا يحقق الجدوى الاقتصادية المطلوبة لبعض المنتجات، مثل المسطحات، بسبب محدودية حجم السوق، بينما يؤدي فتح الحدود وتحقيق التكامل إلى توسيع قاعدة الطلب وتحسين جدوى المشروعات، فضلاً عن تقليل الاعتماد على الواردات التي قد تدخل الأسواق بأسعار منخفضة وتؤثر في مستويات الأسعار المحلية.
وأكد الرميثي أن صناعة الصلب العربية لا تطالب بالحماية باعتبارها صناعة ضعيفة، بل تسعى إلى تحقيق تجارة عادلة، مشيرًا إلى أن الشركات العربية قادرة على المنافسة عالميًا، لكنها لا تزال تستورد كميات كبيرة من المنتجات.
وأوضح أن اعتماد عدد كبير من الشركات العربية على الكهرباء والحديد المختزل يمنحها ميزة نسبية في خفض الانبعاثات مقارنة بالأفران العالية المستخدمة على نطاق واسع في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى نجاح الإمارات في إنتاج الحديد الأخضر باستخدام الهيدروجين الأخضر.
ودعا إلى تعزيز التعاون التكنولوجي العربي في مجال الصلب منخفض الكربون، مؤكدًا أن التكامل في هذا المجال يمكن أن يمنح الصناعة العربية قدرة أكبر على المنافسة مستقبلاً في الأسواق الأوروبية والغربية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة التي تواجهها الصناعة الأوروبية، وتوافر مزايا نسبية لدى الدول العربية في إنتاج الحديد المستدام.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن نمو صناعة الصلب العربية يجب أن ينطلق من احتياجات الاقتصادات المحلية وقدرتها على تعميق التصنيع، من خلال بناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة، وتطوير الأسواق الداخلية، ورفع كفاءة الأصول القائمة، وتمويل البحث والتطوير والتحول البيئي.