"قد يستغرق بناء السمعة 20 عامًا، بينما يكفي خمس دقائق فقط لتدميرها" هكذا لخص المستثمر الأمريكي الشهير "وارن بافت" حساسية السمعة في عالم المال والأعمال، وهي أيضاً الحكاية التي انتهت إليها رحلة "ألين ستانفورد".
فقد أمضى المصرفي الأمريكي سنوات في بناء صورة رجل الأعمال الناجح، مستفيداً من ثروته ورعايته للرياضة ونفوذه في جزر الكاريبي، وبدا اسمه ضمانة كافية لآلاف المستثمرين الذين أودعوا أموالهم في مصرفه، حتى كشفت التحقيقات أن الكيان الذي وثقوا به كان يخفي عملية احتيال بمليارات الدولارات.
وعود كاذبة
في عام 1985، تولى "ستانفورد" إدارة بنك في جزيرة مونتسيرات تحت اسم "بنك غارديان الدولي"، قبل أن ينقل مقره إلى أنتيغوا عام 1990 ويغير اسمه إلى "بنك ستانفورد الدولي" والذي عرف اختصارًا بـ "بي إس آي".
وقدم عرضه بسيطاً وجذاباً للعملاء، شهادات إيداع مصرفية تمنح أصحابها عوائد سنوية تتراوح بين 6% و10%، وهي معدلات تفوق ما كانت تقدمه بنوك أمريكية، وأخبر ممثلوه العملاء بأن المدخرات تُستثمر في أصول سهلة التداول، وأن أكثر من 20 محللاً يتابعون المحفظة الاستثمارية، إلى جانب عمليات تدقيق سنوية وإشراف تنظيمي في أنتيغوا.
وزعم البنك أن مكاسب محفظته الاستثمارية تجاوزت 10%، وهو ما سمح له بتقديم تلك الفوائد السخية للمودعين،كما طرح ثلاثة أنواع من شهادات الإيداع، بعضها بفائدة ثابتة، والآخر بفوائد مرنة أو مرتبطة بمؤشرات مالية.
صراف شخصي
ووفقًا للأدلة التي عُرضت خلال المحاكمة، لم تُطبق استراتيجية الاستثمار المعلنة وإدارة الأصول المزعومة إلا على ما يتراوح بين 10% و15% من أصول البنك، أما مليارات الدولارات المتبقية، فقد حُولت إلى شركات يملكها "ستانفورد" شخصيًا، تحت غطاء قروض لم يُفصح عنها للمودعين.
كانت تلك الشركات تعاني خسائر صافية سنوية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، ومع ذلك استمر البنك في تمويلها، وفي الوقت نفسه، أخذت حياة "ستانفورد" تتسم بمظاهر الثراء الفاحش، يخوت فاخرة وطائرات خاصة، إلى جانب إنفاق واسع على رعاية بطولات الكريكيت الدولية.
وبحسب الادعاء، لم تكن تلك المظاهر مجرد تعبير عن ثروة رجل أعمال ناجح، بل كانت تُمول إلى حد كبير من أموال المستثمرين الذين وثقوا في مصرفه.
كما استخدم "ستانفورد" حصيلة بيع شهادات إيداع جديدة لسداد مستحقات العملاء الذين قرروا استرداد أموالهم، في آلية تحمل السمات الأساسية لمخطط "بونزي"، الذي يعتمد على أموال المستثمرين الجدد للوفاء بالتزامات المستثمرين السابقين.
بداية انكشاف الخدعة
كانت شهادات الإيداع التي يبيعها البنك غير مؤمنة من المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع، وهو ما يعني أن العملاء لم يتمتعوا بالحماية التي يحصل عليها أصحاب الودائع المؤهلة لدى البنوك الأمريكية.
وجاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتكشف هشاشة النظام بأكمله، فقد تراجعت مبيعات شهادات الإيداع الجديدة، في الوقت الذي ارتفعت فيه طلبات العملاء لاسترداد أموالهم.
وفي محاولة لاحتواء المخاوف، زعم "ستانفورد" أنه ضخ 741 مليون دولار من أمواله الشخصية في البنك لتعزيز رأسماله، لكن التحقيقات كشفت أن هذا الادعاء كان كاذباً.
وكشفت شهادة المدير المالي السابق للمجموعة، "جيمس ديفيس،" عن حجم التلاعب، وتحدث عن محاولات لإخفاء طبيعة العمليات عن المحققين الفيدراليين، بل وروى واقعة أرسله فيها "ستانفورد" إلى لندن لإرسال فاكس من مكتب تابع لشركة تأمين وهمية، بهدف طمأنة عميل محتمل إلى سلامة استثماره.
وفي محاولة أخرى لتجميل الميزانية، اتهم الادعاء "ستانفورد" بالتلاعب بقيمة 1500 فدان من الأراضي غير المطورة في أنتيغوا، اشتراها مقابل 64 مليون دولار، ثم سعى إلى رفع قيمتها الدفترية إلى 3.2 مليار دولار.
وبحلول نهاية ديسمبر 2008، لم يتبق في خزينة البنك سوى 88 مليون دولار نقداً، رغم ادعائه امتلاك أصول بمليار دولار، كما عجز المحققون عن العثور على ما يصل إلى 92% من الأصول التي زعم البنك امتلاكها.
من قائمة المليارديرات إلى السجن
في فبراير 2009، داهمت السلطات الأمريكية مقار مجموعة ستانفورد المالية في هيوستن، فيما اصطف عملاء البنك في أنتيغوا لمحاولة سحب مدخراتهم.
واتهمت الحكومة الأمريكية ستانفورد بالاحتيال على آلاف المستثمرين، وجمدت أصوله، وبدأت قضية جنائية امتدت قرابة ثلاث سنوات، وخلال المحاكمة، حاول الدفاع تصويره باعتباره مديراً تنفيذياً لم يكن يتولى إدارة العمليات فعلياً، وألقى بالمسؤولية على "ديفيس"، الذي أقر بذنبه في ثلاث تهم ووافق على التعاون مع الادعاء.
وفي مارس 2012، أدانت هيئة محلفين فيدرالية ستانفورد في 13 تهمة من أصل 14، شملت الاحتيال والتآمر لغسل الأموال وعرقلة التحقيقات، بعد ثبوت إدارته مخطط "بونزي" بلغت قيمته نحو 7.1 مليار دولار.
وصدر بحقه حكم بالسجن 110 أعوام، إلى جانب غرامة شخصية قدرها 5.9 مليار دولار، كما أمرت المحكمة بمصادرة 29 حساباً مالياً خارج الولايات المتحدة، بلغت قيمتها نحو 330 مليون دولار، باعتبارها عائدات للجريمة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 30 ألف مستثمر تعرضوا للاحتيال، بينما وصف الادعاء العملية بأنها واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في تاريخ الولايات المتحدة.
وفي قاعة المحكمة، تمسك "ستانفورد" بإنكار الاتهامات، قائلاً إنه لم يحتل على أحد، وإن مصرفه كان مؤسسة مالية حقيقية قائمة على أصول ملموسة، لكن المدعي العام وصف البنك بعبارة اختزلت جوهر القضية: "صراف آلي شخصي" لرجل واحد.
كشفت القضية أن أخطر ما يمكن أن يواجه المستثمر ليس بالضرورة انهيار الأسواق أو تقلب أسعار الأصول، بل أن يكتشف متأخراً أن المؤسسة التي ائتمنها على أمواله لم تكن تدير استثماراته أصلاً، وإنما كانت تمول حياة رجل آخر.
المصادر: وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي – وثائق هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – مجلة "فوربس" – صحيفة "وول ستريت جورنال" - صحيفة "الجارديان" - وثائق وزارة العدل الأمريكية